في حرارة المعركة وبعد انتهائها، عندما تتأجج مشاعر الغضب والحقد والرغبة في الانتقام، غالبًا ما يتحول جسد العدو القتيل إلى هدف أخير لتفريغ هذه الشحنات."التنكيل" بالجثة أو "المُثلة" – أي تشويهها بقطع الأنف أو الأذن أو بقر البطن أو التمثيل بها بأي شكل – كان يُعتبر عبر التاريخ، ولا يزال للأسف في بعض الأحيان، وسيلة لـ:
إهانة العدو وتجريده من آخر بقايا كرامته.
تأكيد الانتصار الساحق وإرهاب الآخرين.
بل وأحيانًا كـ "تذكار" أو "جائزة حرب" بشعة!
إنه تعبير عن انحدار الإنسان إلى مستوى الوحشية المطلقة، حيث لا تعود هناك أي حرمة لجسد خلقه الله وكرمه.
لكن الإسلام، مرة أخرى، جاء ليضع حدًا فاصلاً ونهائيًا لهذا الانحدار الأخلاقي. لقد أعلن بشكل قاطع ومدهش: جسد الإنسان له حرمة في حياته وبعد مماته، حتى لو كان جسد عدوك الذي قُتل في المعركة.
"ولا تمثلوا": النهي النبوي الصارم
الوصية النبوية كانت واضحة وصارمة ضمن أوامره العسكرية الأساسية للجيوش:"...وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَغُلُّوا (تسرقوا من الغنيمة)، وَلَا تُمَثِّلُوا..." [صحيح مسلم].
"لَا تُمَثِّلُوا": لا تشوهوا الجثث. نهي مطلق وبات، يشمل جثث الأعداء كما يشمل جثث المسلمين.
قد يقول قائل: هذا كلام جميل في السلم، أو في الظروف العادية. لكن هل يمكن تطبيقه حقًا في لحظة الغليان، خاصة إذا كان العدو هو من بدأ بهذا الفعل الشنيع؟ أليس من العدل الرد بالمثل؟
هنا تأتي القصة المدهشة والمؤلمة التي لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت السبب المباشر لترسيخ هذا المبدأ كـ تشريع إلهي لا رجعة فيه، يرتقي فوق ردود الأفعال البشرية.
يوم أُحد: عندما تدخل الوحي ليرتقي برد الفعل البشري
المشهد: معركة أُحد. ورغم البلاء العظيم الذي أصاب المسلمين، كانت الفاجعة الأكبر في نظر النبي صلى الله عليه وسلم هي استشهاد عمه وأخيه من الرضاعة، أسد الله، حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
لكن المصيبة لم تتوقف عند القتل. لقد ارتكب جيش المشركين فعلًا وحشيًا: قاموا بتشويه جثث شهداء المسلمين، ومنهم حمزة، فبقروا بطنه وقطعوا أذنه وأنفه ومثلوا به أبشع تمثيل.
عندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بعد المعركة ليتفقد الشهداء، ورأى هذا المشهد المروع بجسد عمه الحبيب... تألم ألمًا بشريًا لا يوصف. كان غضبه وحزنه عظيمين. وفي لحظة الألم والغضب الإنساني الطبيعي تلك، خرجت منه كلمة تعبر عن هذا الشعور (كما تروي بعض كتب السيرة والتاريخ): "لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم".
لقد كان رد فعل بشريًا مفهومًا تمامًا أمام هول الفاجعة والوحشية التي رآها بعينه.ولكن، هل ترك الوحي النبي صلى الله عليه وسلم عند حدود رد الفعل البشري الطبيعي؟ هنا تجلت العظمة الإلهية، والتربية الربانية للقائد وللأمة.
نزل القرآن فورًا، ليس ليقر الانتقام بالمثل (فهذا سيفتح باب الجحيم)، بل ليرتقي بالنفس النبوية (وبالتالي بالأمة كلها) إلى مستوى أخلاقي أسمى، حتى في التعامل مع أبشع الجرائم:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} [سورة النحل: 126].
تأمل دقة التوجيه الرباني:
حد العدل: إن أردتم المعاقبة، فلكم فقط "بمثل" ما عوقبتم به (أي: قتل مقابل قتل)، ولكن ليس تشويه مقابل تشويه (فالتشويه بحد ذاته عدوان زائد ومحرم لذاته).
باب الفضل (وهو الأعلى): ثم يأتي الترغيب في ما هو أرقى وأسمى: "ولئن صبرتم (عن المعاقبة بالمثل أصلًا) فهو خير للصابرين".
أمام هذا التوجيه السماوي الفوري، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ لقد انتفض من ألمه وغضبه الإنساني إلى يقينه ورحمته النبوية. بكى وقال: "بل نصبر يا رب". ثم لم يكتفِ بالصبر، بل نهى نهيًا باتًا ومؤبدًا عن المثلة والتمثيل بالجثث، وأصبح هذا النهي تشريعًا خالدًا في الإسلام لا يُنسخ أبدًا.
لماذا هذا الموقف الحاسم؟
تكريم الإنسان (حتى بعد الموت): لأن جسد الإنسان هو خلقة الله التي كرمها {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}. وهذه الحرمة لا تزول بالموت أو بالعداوة. التمثيل بالجثة هو اعتداء على صنعة الله وإهانة لكرامة فطرية.
قطع دائرة الانتقام: الانتقام بالمثل في التشويه يفتح بابًا لسباق نحو الوحشية. كل طرف سيحاول أن يكون أشد وحشية من الآخر. الإسلام جاء ليوقف هذه الدائرة الجهنمية، لا ليشارك فيها.
الحرب لها حدود: حتى في أشد لحظات القتال، يجب أن تبقى هناك حدود إنسانية لا يتم تجاوزها، لتذكير المقاتل أنه "إنسان" يقاتل لغاية نبيلة، وليس مجرد "وحش" يفتك وينتقم.
المقارنة الصادمة: من "سيلفي الجثث" إلى سرقة الأعضاء
قارن هذا الموقف الإسلامي الفريد بما نراه عبر التاريخ وفي عالمنا اليوم:
"تذكارات الحرب" البشعة: كم من الحضارات كانت تفتخر بجلب رؤوس الأعداء أو آذانهم أو أجزاء من أجسادهم كتذكارات نصر؟ (من الآشوريين القدماء، إلى ممارسات بعض الجنود في حروب أحدث مثل فيتنام وأفغانستان).
وفي الحرب العالمية الثانية، لم تكن هذه مجرد ممارسات فردية معزولة. فقد وثّق مؤرخون (مثل جون داور في كتابه "الحرب بلا رحمة") كيف أن بعض الجنود الأمريكيين في حرب المحيط الهادئ كانوا يقومون بجمع "تذكارات" من جثث الجنود اليابانيين تشمل أحيانًا جماجم أو أسنانًا ذهبية أو آذانًا! بل ووصل الأمر إلى حد إرسال بعض هذه "التذكارات" البشعة إلى الأهل في الوطن كهدايا! ورغم أن القيادة العسكرية حاولت رسميًا منع هذه الممارسات لاحقًا، إلا أن انتشارها كان يعكس تجردًا مروعًا من الإنسانية ونظرة دونية عنصرية تجاه العدو، وهو ما يتناقض كليًا مع الحرمة التي أوجبها الإسلام لجسد الميت أيًا كان.
وهذه الممارسات لم تكن جديدة على التاريخ الأمريكي. ففي الحروب ضد السكان الأصليين (الهنود الحمر) خلال القرن التاسع عشر، كان سلخ فروات رؤوسهم (Scalping) ممارسة شائعة، بل وكانت تُقدم مكافآت مالية أحيانًا مقابل هذه الفروات كدليل على القتل! لقد تم التعامل مع أجسادهم بعد الموت بنفس الوحشية التي تم التعامل بها مع حياتهم، كجزء من سياسة الإبادة والتطهير العرقي التي هدفت إلى إخلائهم من أراضيهم. إن تحويل جزء من جسد العدو المقتول إلى "غنيمة" أو "دليل إثبات" يعكس انعدامًا كاملاً لأي شعور بحرمة الجسد الإنساني.
التصوير والإهانة (الوحشية الرقمية): في العصر الرقمي، أصبحنا نرى للأسف جنودًا يلتقطون "صور سيلفي" مبتسمين مع جثث مقاتلي العدو بل وحتى المدنيين، أو يبثون مقاطع فيديو مهينة للتنكيل بالجثث أو إهانتها، في استعراض مقزز للوحشية يتناقض مع أبسط القيم الإنسانية.
عدم احترام رفات الموتى: حتى "اتفاقيات جنيف" (التي تدعو لاحترام جثامين الموتى وتسهيل إعادتها)، غالبًا ما تُنتهك في هذا الجانب. يتم أحيانًا احتجاز رفات المقاتلين كورقة مساومة سياسية، أو دفنهم في مقابر جماعية مجهولة ("مقابر الأرقام")، أو التعامل معهم بلا أي اكتراث أو احترام.
ما شهدناه في غزة (ذروة الانحطاط): لقد وثقت تقارير عديدة، وتحدث شهود عيان، بل وشوهد خلال عمليات تبادل الأسرى وتسليم الجثامين، كيف تعامل جيش الاحتلال الإسرائيلي مع جثث الشهداء الفلسطينيين.
تحدثت التقارير عن حالات تنكيل وتشويه متعمد للجثث.
عن سرقة أعضاء منها [بحسب شهادات ومصادر طبية فلسطينية ودولية موثوقة مثل المرصد الأورومتوسطي].
عن دفنها في مقابر جماعية مهينة أو حتى استخدام الجرافات لسحقها وتجريف المقابر. هذه الممارسات، التي تنتهك أبسط قواعد الإنسانية والقانون الدولي، تمثل تطبيقًا عمليًا مروعًا للوحشية التي جاء الإسلام ليحرمها تحريمًا قاطعًا قبل 1400 عام.
لقد وضع الإسلام، بناءً على تجربة مؤلمة تحولت إلى تشريع سماوي، حرمة مطلقة لجسد العدو الميت. منع التمثيل به منعًا باتًا، حتى لو كان العدو هو البادئ. إنه مستوى مدهش من السمو الأخلاقي وضبط النفس، يهدف للحفاظ على إنسانية الإنسان حتى في أحلك لحظات الصراع.