الرئيسية سقط القناع الفهرس الفصل 15
الفصل 15

"كنائسكم لكم": العهدة العمرية التي أذهلت العالم في القدس.

إذا كانت قصة صلح الحديبية قد أظهرت لنا الوفاء بالعهد في لحظة الألم والضعف الظاهري، فإن فتح القدس في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم لنا النموذج الأروع للوفاء بعهد الأمان في لحظة القوة المطلقة والنصر الكامل.

الخليفة يأتي بنفسه: مشهد تاريخي من التواضع

المشهد: القدس (إيلياء كما كانت تُعرف)، عام 637 ميلادي تقريبًا. بعد حصار فرضته الجيوش المسلمة، قرر سكان المدينة المسيحيون الاستسلام. لكنهم وضعوا شرطًا مدهشًا قد لا تجده في أي تاريخ فتح آخر: لن نسلم مفاتيح المدينة إلا للخليفة الأعلى للمسلمين نفسه، عمر بن الخطاب!

لماذا هذا الشرط؟ ربما سمعوا عن عدل عمر وزهده وورعه الذي طبقت شهرته الآفاق، وأرادوا ضمانة شخصية منه على حياتهم ومقدساتهم.

والمدهش أكثر، أن الخليفة عمر، وهو حاكم الإمبراطورية الإسلامية المتنامية آنذاك، استجاب لهذا الطلب! سافر بنفسه من المدينة المنورة إلى القدس، قاطعًا مئات الأميال.

لم يأتِ بموكب الملوك والفاتحين المتغطرسين، محاطًا بالحرس والجنود. بل جاء في رحلة تاريخية يفيض منها التواضع والزهد الذي أصبح أسطورة: يرافقه خادم واحد، يتناوبان على ركوب دابة واحدة، مرتديًا ثيابًا بسيطة مرقعة! حتى أن أهل القدس عندما خرجوا لاستقباله، لم يعرفوه للوهلة الأولى من شدة بساطته، وظنوا أن الخادم هو الخليفة!

العهدة العمرية: دستور التعايش الخالد

عندما وصل عمر، لم يدخل المدينة دخول الفاتح المنتقم، بل دخلها دخول الأمين المؤتمن. وهناك، بدلًا من فرض شروط استسلام مذلة أو استعراض القوة، كتب لأهل القدس (أهل إيلياء) وثيقة أمان تاريخية لا تزال تُعرف إلى يومنا هذا بـ "العهدة العمرية".

ماذا جاء في هذه الوثيقة المذهلة التي تعتبر دستورًا للتعايش الديني وحقوق الأقليات؟

"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله، عمر، أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان. أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، سقيمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم،ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضارّ أحد منهم... ...وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين..."

توقف هنا وتأمل عمق هذه الضمانات المعطاة في القرن السابع الميلادي، في ذروة النصر العسكري:

أمان شامل: على الأنفس والأموال.

حماية مطلقة لدور العبادة: الكنائس لا تُسكن (أي لا تُحتل أو تُستخدم لأغراض أخرى)، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها شيء.

حماية للرموز الدينية: "ولا من صليبهم".

حرية دينية كاملة ومطلقة: "ولا يُكرهون على دينهم".

أمان شخصي: "ولا يُضارّ أحد منهم".

ضمان أبدي: هذا ليس مجرد هدنة مؤقتة، بل هو "عهد الله وذمة رسوله وذمة المؤمنين"، أي التزام ديني وأخلاقي دائم لا يسقط بتقادم الزمن.

لقد كانت هذه الوثيقة ضمانًا غير مسبوق في تاريخ الفتوحات لحرية العبادة وحقوق الأقليات الدينية، وشهادة عملية على صدق مبدأ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.

ومن المهم أن نلاحظ أن 'العهدة العمرية' لم تكن مجرد وثيقة أمان مؤقتة، بل أصبحت مرجعًا قانونيًا ودستوريًا استمر العمل به لقرون لتنظيم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في القدس. قارن هذا بما حدث في نفس المدينة عندما احتلها الصليبيون (الذين لم يعطوا أي عهد أمان بل أبادوا السكان) أو بما يحدث اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي حيث تُنتهك حرمة المساجد والكنائس وتُفرض القيود على المصلين، في تجاهل تام لأي عهود أو حتى قوانين دولية.

ذروة الحكمة: لماذا رفض عمر الصلاة في الكنيسة؟

لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. التطبيق العملي الفوري لهذا العهد كان أكثر إدهاشًا من النص نفسه. بينما كان عمر يتجول في المدينة، بصحبة بطريرك القدس صفرونيوس، ليتفقد أحوالها ويطمئن أهلها، حان وقت صلاة الظهر للمسلمين.

فالتفت البطريرك صفرونيوس بلباقة إلى عمر، ودعاه للصلاة داخل كنيسة القيامة نفسها، وهي أقدس موقع للمسيحيين في العالم! كانت بادرة حسن نية وتعايش مذهلة من البطريرك، تعبر عن ثقته في عدل الفاتح الجديد.

فماذا فعل عمر؟ هل قبل الدعوة وصلى في الكنيسة كرسالة للتسامح والتقارب؟ هنا تجلت الحكمة العميقة والبُعد الحضاري المدهش لعمر بن الخطاب. لقد رفض الصلاة داخل الكنيسة!

وعندما سأله البطريرك عن سبب رفضه لهذه البادرة الطيبة، أجابه عمر بكلماته الخالدة التي يجب أن تُكتب بماء الذهب، والتي تكشف عن فهم عميق لنفسية البشر وحرص لا مثيل له على الوفاء بالعهد ليس فقط في الحاضر بل وفي المستقبل البعيد:

"أخشى إن صليتُ فيها، أن يأتي المسلمون من بعدي ويقولون: هنا صلى عمر، فيبنون عليه مسجدًا، ويهدمون كنيستكم."

ثم خرج وصلى بمفرده على الدرج خارج الكنيسة. (المكان الذي بُني فيه لاحقًا "مسجد عمر" الصغير كعلامة على هذا الموقف التاريخي، وليس داخل الكنيسة).

الله أكبر! أي عظمة هذه؟ لم يكن عمر يحمي الكنيسة منهم في الحاضر فقط، بل كان يحميها من "حماس وحب" المسلمين أنفسهم له في المستقبل! لقد أدرك ببصيرته الثاقبة أن فعلته هذه، لو تمت بحسن نية اليوم، قد تُتخذ ذريعة من قبل أجيال لاحقة (قد تكون أقل ورعًا أو أكثر حماسًا) لتغيير وضع الكنيسة، فأراد أن يقطع الطريق على أي شبهة مستقبلية قد تنقض عهد الأمان الذي أعطاه.

إن حكمة عمر بن الخطاب في رفضه الصلاة داخل كنيسة القيامة تتجاوز مجرد الحفاظ على الكنيسة ماديًا. إنها تعكس فهمًا عميقًا لـ 'سيكولوجية الأتباع' وحرصًا على قطع ذرائع الفتنة المستقبلية.

إنه تطبيق عملي مدهش لمبدأ "الوفاء بالعهد"، لا كسياسة مؤقتة، بل كدين ومنهج حياة يمتد أثره ليحمي حقوق الآخرين حتى بعد مئات السنين.

قارن هذا الموقف الفريد بما حدث في أماكن أخرى عبر التاريخ (وما زال يحدث)، حيث كانت أماكن عبادة المهزومين تُحول قسرًا إلى أماكن عبادة للمنتصر مثل حويل مساجد الأندلس إلى كنائس بعد سقوطها)، أو تُهدم تمامًا لمحو آثار الماضي.

لقد أثبت الإسلام في القدس، كما في الحديبية، أن شرف الكلمة وقدسية العهد هما أساس بناء حضارة عادلة ومستدامة يمكن للجميع أن يعيشوا في ظلها بأمان وكرامة، مهما اختلفت أديانهم.

ولم تكن حماية عمر لكنائس القدس مجرد نص في وثيقة، بل أصبحت عرفًا راسخًا في التعامل مع أهل الذمة عبر التاريخ الإسلامي. فالمؤرخون يذكرون كيف أن الخلفاء والسلاطين المسلمين (مثل صلاح الدين لاحقًا، وحتى السلاطين العثمانيين) كانوا يؤكدون على هذه العهود ويجددونها، ويحمون حقوق المسيحيين في ممارسة شعائرهم وزيارة الأماكن المقدسة، حتى في أوقات التوتر السياسي أو الحروب مع أوروبا المسيحية. هذا الثبات على المبدأ هو ما ضمن بقاء الكنائس الشرقية وازدهارها لقرون تحت الحكم الإسلامي.

قارن هذا الثبات على عهد الأمان، الذي حمى كنيسة القيامة لقرون، بما نشهده اليوم من استباحة للمقدسات وانتهاك للعهود في نفس الأرض المباركة تحت سمع وبصر العالم، لتدرك أيّ هاوية أخلاقية وصلنا إليها عندما غابت شريعة السماء وحكمت شريعة المصالح.