لقد كانت رحلتنا عبر أخلاقيات الحرب المدهشة في الإسلام رحلة عبر الزمن والفكر والروح. بدأت من ظلمات الجاهلية حيث كان القتل فخرًا والثأر دينًا، وانتهت عند نور الإسلام حيث صار كفُّ الدم عبادة والرحمة بالعدو قربة إلى الله.
شهادة التاريخ ومنطق الحضارة
لقد أثبت التاريخ (وهو خير شاهد) أن الحضارات التي بُنيت على السيف والانتقام والظلم، مهما بلغت قوتها، مصيرها إلى السقوط والزوال (أين آشور وبابل وروما؟). أما الحضارة التي بُنيت على الرحمة والعدل والعلم، فبقيت منارتها تضيء للتائهين عبر القرون، حتى شهد الأعداء المنصفون أنفسهم بعظمتها فقالوا: "ما عرف التاريخ فاتحًا أرحم من العرب (المسلمين)."
واليوم، بعد أن غابت شريعة الله عن ساحة القوة والسياسة العالمية (حتى في كثير من بلاد المسلمين للأسف)، عاد العالم تدريجيًا إلى ما يشبه غابة حديثة: تقتل باسم القانون، وتنهب باسم النظام الدولي، وتبرر الإبادة بشعارات زائفة. وها هي أحداث غزة تصرخ في وجهنا كل يوم بهذه الحقيقة المرة: لقد سقطت كل الأقنعة.
الإسلام: ليس ماضيًا، بل هو الحلّ للمستقبل
وهنا تتأكد الحقيقة التي حاولنا أن نُبرهن عليها في كل نقطة من هذا الكتاب: أن الإسلام ليس مجرد "دين" بالمعنى الضيق للعبادات، وليس مجرد "تاريخ" يُقرأ في الكتب. بل هو منهج حياة شامل، ونظام أخلاقي متكامل، يحمل في طياته الحلول لمآزق البشرية المعاصرة.
إذا أرادت البشرية أن تنجو من جنون القوة الذي يدمرها، فعليها أن تعود إلى المنهج الذي:
جعل الرحمة قاعدة أساسية، لا ترفًا ثانويًا يُستدعى عند الرخاء فقط.
وجعل العدل عبادة يُتقرب بها إلى الله، لا مجرد خيار سياسي يخضع للمساومات.
وجعل القوة خادمةً للضمير والأخلاق، لا سيدةً طاغية عليهما.
إن العالم التائه اليوم، الذي يبحث عن اتفاقياتٍ جديدةٍ، وعن قوانينٍ تُقيد شهوة الدم، لن يجد خلاصه الحقيقي إلا في العودة إلى هذا النور الإلهي.
رسالة خاصة... إلى أهل الأمانة
وهنا، يجب أن نقف وقفة خاصة. فإن كان هذا الكتاب حجةً على العالم، فهو قبل كل شيء تذكرةٌ للمسلمين.
يا قارئ هذه السطور، يا من تنتمي لهذا الدين العظيم... إننا نملك كنزًا لا يقدّر بثمن، كنزًا لا يملكه غيرنا في هذا العالم. إننا نملك الوحي الذي سبق حضارتهم في قيمه، والأخلاق التي عجزت عنها قوانينهم الوضعية.
فلا تقع، أرجوك، في شباك الغرب الفكرية. لا تنبهر بشعارات "حقوق الإنسان" البراقة التي سقطت وتمرغت في وحل غزة وفضائحها. هم قد يملكون الإعلام والسلاح والقوة المادية الطاغية... أما نحن، فنملك الحق الذي لا يُعلى عليه، ونملك الرحمة التي هي أقوى سلاح.
إن واجب الوقت اليوم ليس فقط أن نُعرّف العالم بهذا الدين العظيم، بل أن نعود نحن إليه أولاً. العودة الصادقة...
تعلّمه لا كمجرد شعائر، بل كمنهج حياة شامل.
والتمسك به لا كإرثٍ تاريخي نتباهى به، بل كطوق نجاة نعتز به ونطبقه في كل تفاصيل سلوكنا.
فالعالم التائه اليوم، لن يرى نور الإسلام في كتبنا فقط، بل يجب أن يراه في أخلاقنا نحن. إن عظمة هذا الدين لن تكتشفها البشرية حقًا، إلا حين نكون نحن أنفسنا الدليل الحي الصادق على تلك العظمة.
فلتكن هذه الرحلة عبر أخلاق ديننا دافعًا لنا جميعًا، ليس فقط للفخر بالماضي، بل للعمل الجاد لبناء مستقبل نكون فيه نحن، المسلمين، المثال الحي الصادق على هذه الرحمة وهذا العدل في تعاملنا مع القريب والبعيد، والصديق والعدو.
الخاتمة النهائية
لقد بدأت أعظم حضارةٍ عرفها التاريخ بكلمة خالدة خرجت من فم المنتصر في لحظة القوة المطلقة: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ." حضارةٌ لا تبني مجدها على أشلاء الآخرين، بل على صلاح قلوبهم وكرامتهم.
وهكذا يُختتم هذا الكتاب بما بدأ به: أن الإسلام جاء ليُعيد تعريف "القوة" بأنها القدرة على العفو والرحمة. و "النصر" بأنه انتصارٌ على النفس قبل الانتصار على العدو. و "البطولة" بأنها الثباتُ على المبدأ حين تغريك السلطة بالغدر والانتقام.
فما أحوج هذا العالم الممزق اليوم إلى أن يرفع من جديد راية تلك الكلمة القديمة التي غابت عن الميادين: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ...} [النحل: 90].
هذه الثورة الأخلاقية لم تكن مجرد تعاليم نظرية، بل تجسدت في شخصية فريدة استطاعت تغيير وجه التاريخ، مما دفع حتى كبار المفكرين الغربيين للاعتراف بعظمته. ومنهم الشاعر والسياسي الفرنسي الشهير ألفونس دي لامارتين، الذي يتساءل بعد استعراض إنجازات النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه فيلسوف، خطيب، نبي، مشرع، مقاتل، فاتق أفكار، باعث عقائد في شريعة لا صور فيها ولا تماثيل، مؤسس عشرين مملكة على الأرض ومملكة روحية، ذاك هو محمد. ومهما تكن المعايير التي نقيس بها العظمة الإنسانية، فإننا نتساءل: أي إنسان كان أعظم منه؟".
شهادة جامعة تلخص حجم التأثير الذي أحدثه رجل واحد بدأ دعوته في قلب الصحراء، وأسس حضارة قوامها الأخلاق قبل السيف.
الحمد لله الذي جعلنا من أمةٍ تحمل هذه الأمانة العظيمة، ومنحنا دينًا يؤكد في كل زمانٍ ومكان، رغم كل ما نراه من ظلم وقسوة: أن الرحمة... لا تُهزم.