لقد كانت رحلتنا عبر أخلاقيات الحرب المدهشة في الإسلام كاشفة ومثيرة للتفكير. رأينا كيف سبق هذا الدين العالم بقرون في وضع ضوابط إنسانية للحرب، من الدعوة للسلام أولاً كقاعدة، إلى التمييز الصارم بين المقاتل والمدني، إلى حماية الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان، مرورًا بحماية الأشجار والمياه والحيوانات، وصولًا إلى إكرام الأسير وتحريم التعذيب وحرمة الجثث، وانتهاءً بالعفو عند المقدرة والوفاء بالعهود.
لكن قد يقول قائل: هذا كله جميل نظريًا، أو ربما كان صالحًا لزمن مضى ببساطته. هل له مكان حقًا في عالمنا المعقد اليوم، بحروبه التكنولوجية ومصالحه المتشابكة؟ وهل هو حقًا "البديل الوحيد" كما يوحي العنوان؟ ألا توجد منظومات أخلاقية أو قانونية أخرى؟
للإجابة على هذا، دعونا نعود من حيث بدأنا: غزة. غزة لم تكن مجرد مأساة إنسانية أخرى تُضاف لسجل البشرية الدموي الطويل. لقد كانت "لحظة الحقيقة"، الكاشف الذي عرّى كل شيء، وأظهر بشكل لا يدع مجالاً للشك، الإفلاس العميق للمنظومة الأخلاقية والقانونية التي يدّعي العالم "المتحضر" أنه يعيش تحت ظلها.
سقوط الأقنعة في غزة
لقد رأينا بأم أعيننا، وسمعنا بآذاننا، كيف أن:
"القانون الدولي الإنساني" (جنيف وغيرها): الذي يتشدقون به ليل نهار، أصبح مجرد حبر على ورق، بل أداة تُستخدم بـ انتقائية ونفاق فجّ؛ تُطبّق بصرامة على الضعفاء، ويتم تجاهلها أو إعادة تفسيرها أو تعطيلها (بالفيتو) لحماية الأقوياء وحلفائهم.
"حقوق الإنسان": أصبحت شعارًا فضفاضًا تُنتهك أبسط مبادئه (الحق في الحياة، الكرامة، الغذاء، الدواء، المأوى) بشكل ممنهج ضد شعب بأكمله عبر الحصار والتجويع ومنع المساعدات، وسط صمت دولي مريب أو تواطؤ فاضح أو تبريرات واهية.
"المؤسسات الدولية" (الأمم المتحدة، مجلس الأمن، محكمة العدل): أثبتت عجزها التام، بل وشللها المتعمد أحيانًا (عبر الفيتو)، عن وقف الجرائم أو حتى محاسبة مرتكبيها بشكل فعال. أصبحت مجرد مسرح لتبادل الكلمات والتعبير عن "القلق".
"القيم الغربية" (الديمقراطية، الحرية، العدالة، حرية التعبير): سقطت سقوطًا مدويًا عندما رأينا دولاً تدّعي هذه القيم تدعم بشكل مطلق آلة حرب ترتكب ما يرقى للإبادة الجماعية، بل وتقمع مواطنيها الذين يحتجون سلميًا ضد هذه الجرائم، وتكمم أفواه الصحفيين والطلاب والأكاديميين.
ولعل أوضح تجليات هذا السقوط الأخلاقي هو ازدواجية المعايير الفاضحة. فبينما هبّت نفس الدول الغربية (بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا) لفرض عقوبات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا (باعتبار ذلك انهاكًا للقانون الدولي)، ودعمت المقاومة الأوكرانية بالسلاح والمال، وفتحت أبوابها للاجئين الأوكرانيين... رأيناها في المقابل تدعم الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عقود، وتصف المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال بأنها "إرهاب"، وتُحكم إغلاق حدودها في وجه اللاجئين الفلسطينيين، بل وتشارك أحيانًا في حصارهم! إن هذا الكيل بمكيالين الصارخ لا يكشف فقط عن نفاق قيمي، بل يؤكد أن "القيم الغربية" المزعومة ليست مبادئ إنسانية عالمية، بل هي مجرد أدوات سياسية تُستخدم لخدمة المصالح الجيوسياسية، وتُطبق بشكل انتقائي حسب هوية الجاني وهوية الضحية.
غزة كشفتهم جميعًا. كشفت أن المنظومة الحالية، القائمة على:
قوانين وضعية صاغتها مصالح الدول المنتصرة في حروب سابقة.
وقيم عالمانية غالبًا ما تكون نسبية وتخضع للتأويل السياسي والمصلحي. هي منظومة فاشلة جوهريًا في تحقيق العدالة أو حماية الإنسان عندما تتعارض هذه الأهداف مع مصالح القوة والهيمنة.
إن فشل المنظومة الدولية الذي كشفته غزة ليس حدثًا معزولاً. لقد رأينا فشلاً مماثلاً في وقف الإبادة الجماعية في رواندا (1994) رغم وجود قوات أمم متحدة، ورأينا عجزًا عن محاسبة مجرمي الحرب في سوريا لسنوات بسبب استخدام الفيتو. هذه الأمثلة تؤكد أن القانون الدولي الوضعي يظل أداة سياسية أكثر منه ضمانة أخلاقية حقيقية عندما تتعارض العدالة مع مصالح الكبار.
الأرقام تتحدث: شهادة الدماء على حجم الفشل
وهنا، دعونا ندع الأرقام تتحدث، فهي لا تجامل أحدًا. لتدرك حجم الفارق بين "أخلاق الإسلام" التي حكمت حروب المسلمين الأوائل وبين "أخلاق المصالح" التي تحكم عالمنا اليوم، تأمل هذه المقارنة الصادمة:
في عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم: كل الغزوات والسرايا التي خاضها المسلمون في مرحلة تأسيس الدولة وتأمينها والدفاع عنها ضد الأعداء المتربصين في شبه جزيرة كاملة، على مدى أكثر من عشر سنوات... لم يتجاوز إجمالي عدد القتلى فيها من الطرفين معًا حوالي 1000 شخص تقريبًا!
وهنا يجب التنبيه: أن هؤلاء القتلى كانوا في الغالب الساحق من المقاتلين الفعليين الذين حملوا السلاح وبادروا بالعدوان أو شكلوا تهديدًا وجوديًا للدولة المسلمة الناشئة، ولم تكن الحرب موجهة أبدًا ضد المدنيين المسالمين. نعم، ألف قتيل من المسلمين والمقاتلين المعتدين... هذا هو ثمن الدماء التقريبي لإقامة دولة العدل والأمان الأولى في الإسلام.
في عصر "الحضارة الحديثة": فقط في الحربين العالميتين الأولى والثانية، اللتين خاضتهما الدول "المتحضرة" في القرن العشرين، وباسم "القومية" و"الديمقراطية" و"الحرية"... أُبيد أكثر من 70 مليون إنسان!! وهؤلاء الملايين السبعون لم يكونوا فقط من الجنود، بل شملوا أعدادًا هائلة من المدنيين الأبرياء (أطفال ونساء وشيوخ) الذين قُتلوا بالقصف العشوائي والتجويع والتطهير العرقي. سبعون مليونًا!!!
ولم تتوقف آلة القتل الغربية عند هذا الحد. فالحروب التي شُنت أو دُعمت من القوى الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين وما بعده حصدت أرواح الملايين أيضًا: حرب فيتنام (أكثر من مليوني قتيل فيتنامي، معظمهم مدنيون)، الحرب الكورية (حوالي 3 ملايين قتيل)، الحرب على العراق منذ 1991 (تشير تقديرات مختلفة إلى مقتل مليوني إنسان، نتيجة الحرب والحصار)، والحروب الأهلية المدمرة في أفريقيا (مثل رواندا والكونغو) التي غالبًا ما كانت تُغذى بالتدخلات الخارجية وبيع السلاح... إنها قائمة طويلة ومفجعة من الدماء التي تُزهق باسم "المصالح" و"الأيديولوجيات" و"الحضارة" المزعومة.
قارن الأرقام مرة أخرى: ألف قتيل في حروب تأسيس أمة ودولة كاملة امتدت لسنوات، مقابل سبعين مليون قتيل في حربين فقط خلال أقل من نصف قرن، خاضتها دول تدّعي أنها قمة التقدم الإنساني والأخلاقي، قتلت فيها ملايين الأبرياء!
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات باردة، بل هي شهادة دامغة على أن المشكلة لم تكن يومًا في "حروب الإسلام" التي حملت معها قواعد أخلاقية صارمة هدفها تقليل الدماء قدر الإمكان، بل كانت ولا تزال في حروب الآخرين التي تحركها الأطماع والأيديولوجيات البشرية وتجعل إبادة الملايين هدفًا مقبولاً أو ضررًا جانبيًا لا يُحتفل به.
إن الفارق ليس فقط في تطور تكنولوجيا القتل، بل هو في غياب الضابط الأخلاقي الحقيقي المستمد من الخوف من الله.
لماذا الإسلام هو البديل الأخلاقي الوحيد؟
(وهنا يأتي السؤال الجوهري: لماذا يبقى الإسلام هو البديل الأخلاقي الوحيد؟)
ليس لأن المسلمين اليوم هم أفضل من يطبق هذه الأخلاق (وهذه نقطة ضعفنا الكبرى التي يجب أن نعترف بها ونعالجها)، بل لأن المنظومة الأخلاقية الإسلامية نفسها تمتلك خصائص فريدة تجعلها البديل الحقيقي والجذري لهذا الإفلاس العالمي:
1. المصدر الإلهي (الموضوعية والثبات): أخلاقيات الحرب في الإسلام ليست نتاج مؤتمرات دولية تتغير، ولا توازنات قوى تتبدل، ولا فلسفات بشرية تتطور (أو تتدهور!). مصدرها هو الوحي الإلهي المعصوم (القرآن والسنة). وهذا يمنحها خصائص لا توجد في أي نظام وضعي:
الموضوعية: لا تخضع لأهواء البشر أو مصالح الدول أو ضغوط اللوبيات. الحق حق والباطل باطل بغض النظر عمن يفعله أو من يتضرر منه. لا توجد "معايير مزدوجة".
الثبات: لا تتغير بتغير الزمان أو المكان أو موازين القوى. ما كان حرامًا قبل 1400 عام (قتل طفل) يظل حرامًا اليوم وغدًا إلى يوم القيامة.
الإلزامية المطلقة: ليست مجرد "توصيات" أو "مبادئ توجيهية" يمكن تجاهلها، بل هي "أوامر ونواهي" إلهية ملزمة لكل مسلم في كل حال، لا تسقط بـ "حالة الضرورة" المزعومة.
أضف إلى ذلك أن القوانين الوضعية الدولية غالبًا ما تكون نتاجًا لتوازنات القوى بعد حروب كبرى، أي أنها تُصاغ بشكل كبير من قبل "المنتصرين" لتعكس رؤيتهم ومصالحهم. ولهذا نرى كيف أن مؤسسات مثل "مجلس الأمن" تمنح "حق النقض (الفيتو)" لدول بعينها (وهي الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية)، مما يجعلها فوق القانون عمليًا ويسمح لها بتعطيل أي قرار لا يخدم مصالحها أو مصالح حلفائها. فأي "عدالة دولية" هذه التي تُبنى على أساس "قوة الغالب" لا على أساس "الحق المطلق"؟ إن المصدر الإلهي للأخلاق الإسلامية يحررها تمامًا من هذه التبعية لموازين القوى الأرضية المتقلبة.
إن القانون الوضعي، مهما بلغ من إحكام، يظل بحاجة إلى "شرطي خارجي" لمراقبته وتطبيقه، وهذا الشرطي غالبًا ما يكون غائبًا أو متحيزًا أو عاجزًا في ساحة السياسة الدولية. أما الإسلام، فقد زرع "الشرطي الداخلي" في قلب المؤمن، وهو الخوف من الله ورجاء ما عنده. هذا الضمير الحي هو الذي جعل الصحابي يؤثر أسيره بالخبز وهو جائع دون أن يراه أحد، وهو الذي منع عمر من الصلاة في الكنيسة خوفًا على المستقبل البعيد، وهو الذي جعل صلاح الدين يعفو عن أعدائه بعد كل ما فعلوه. إن بناء هذا "الضمير" هو المعجزة الحقيقية التي لا يمكن لأي قانون أرضي أن يحققها بمفرده.
3. الشمولية والتكامل: لم تقتصر أخلاق الإسلام على "أثناء" القتال فقط، بل شملت ما قبله (الدعوة للسلام أولاً، الخيارات الثلاثة قبل الحرب)، و ما بعده (معاملة الأسرى، العفو عند النصر، الوفاء بالعهود، إعادة الإعمار). إنها منظومة متكاملة لا تترك شيئًا للمزاج أو للظروف.
4. الكرامة الإنسانية (لا انتقائية ولا عنصرية): الرحمة والعدل في الإسلام ليستا مقصورتين على المسلمين، بل تمتدان لتشمل غير المسلمين، حتى الأعداء منهم (كما رأينا في حماية المدنيين والأسرى والرهبان وأهل الذمة). إنها إنسانية لا تعرف التمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون. الرسالة جاءت {رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، لكل العوالم، لا لفئة دون أخرى.
التطبيق مقابل النص: نقطة حاسمة
ولكن، قد يقول قائل بإنصاف: "ألم يخالف بعض المسلمين هذه المبادئ عبر التاريخ أو حتى اليوم؟ ألم نرَ ظلمًا وقسوة من حكام أو جماعات مسلمة؟"
الجواب: نعم، بكل تأكيد. المسلمون بشر يصيبون ويخطئون، وتاريخهم (كغيرهم) فيه صفحات مشرقة وأخرى مظلمة. حدث ظلم، وحدثت تجاوزات.
ولكن الفارق الجوهري والحاسم هنا: عندما يخالف مسلم هذه المبادئ الإلهية، فهو يخالف دينه وتعاليم ربه ونبيه. ويمكن محاكمته شرعًا (لو وُجدت الشريعة مطبقة) بناءً على هذه المخالفة الصريحة للنص. فالمشكلة تكون في التطبيق البشري، لا في النص الإلهي.
أما في المنظومات الوضعية الأخرى التي رأينا إفلاسها، فالمشكلة غالبًا ما تكون مزدوجة:
في النص نفسه: الذي قد يكون غامضًا، أو يسمح بالاستثناءات ("إلا في حالة الضرورة")، أو يخضع للتأويل السياسي والمصلحي.
وفي غياب الإرادة لتطبيقه أصلًا: عندما يتعارض مع مصالح القوى الكبرى وحلفائها.
بل وفي تبرير المخالفة تحت مسميات قانونية أو سياسية ("الأمن القومي"، "الحرب الاستباقية"، "تقنيات التحقيق المعززة").
إذًا، لماذا الإسلام هو البديل الأخلاقي الوحيد؟ لأنه يقدم المعيار الأخلاقي الموضوعي والثابت والشامل الوحيد الذي يمكن أن يُحتكم إليه لضبط القوة البشرية الجامحة ومنعها من الانحدار إلى الوحشية. لقد أثبتت التجارب البشرية، وآخرها وأفجعها غزة، أن ترك الأمر للأهواء والمصالح والقوانين الوضعية المتغيرة لا يؤدي إلا إلى شريعة الغاب، حتى لو ارتدت قناع الحضارة والتحضر.
وحتى يتبين للقارئ أن هذه لم تكن هذه الأخلاقيات مجرد وصايا، بل كانت قوانين تُطبق ويُعاقب من يخالفها. يُروى أن خالد بن الوليد رضي الله عنه، في إحدى السرايا بعد فتح مكة، قتل بعض بني جذيمة خطأً أو بتأويل، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، رفع يديه إلى السماء وقال مرتين: 'اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد'، ثم أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليدفع دية القتلى ويعوضهم عن كل ما أصابهم.
إن العالم اليوم، بعد أن سقط القناع في غزة، هو أحوج ما يكون للعودة إلى هذا النور الإلهي. ليس بالضرورة كدين يُعتنق (فهذا اختيار فردي)، بل كمنظومة أخلاقية عالمية يمكن أن تنقذ ما تبقى من إنسانيتنا المشتركة، وتضع حدًا لهذه الوحشية التي تهدد مستقبلنا جميعًا.