تاريخ البشرية مليء بقصص الانتصارات العسكرية. وعادةً ما تكون لحظة دخول المنتصر إلى مدينة عدوه المهزوم هي لحظة الحساب الأخير. لحظة الانتقام وسفك الدماء وتصفية الحسابات القديمة.
إنه المشهد المتكرر للغزاة عبر العصور: مذابح جماعية للمقاتلين والمدنيين، تطهير عرقي أو ديني، استرقاق للنساء والأطفال، نهب للممتلكات، ومحو لآثار المهزومين وهويتهم. هذا هو منطق "عدالة المنتصر" السائد غالبًا: سحق المهزوم ومحو وجوده لضمان عدم عودته.
مرارة "عدالة المنتصر" في التاريخ الإسلامي
ولقد ذاق المسلمون أنفسهم مرارة هذا الكأس مرارًا عبر التاريخ:
سقوط الأندلس: لم يُعفَ عن أهلها المسلمين (ولا اليهود). بل واجهوا محاكم التفتيش الوحشية، والإجبار على التنصير (الموريسكيون)، ثم الطرد الجماعي من وطنهم الذي عاشوا فيه لثمانية قرون.
الغزو الصليبي الأول للقدس (1099م): لم يفرق الصليبيون بين مقاتل ومدني، بل حولوا أزقة المدينة المقدسة إلى أنهار من دماء سكانها المسلمين واليهود، في مذبحة وصفها مؤرخوهم أنفسهم بأنها مروعة حيث تروي كتب التاريخ أن الصليبيين قد قتلوا 100 ألف من المسلمين واليهود حين دخلوا إلى القدس وكانوا كل سكان القدس حينئذ.
الغزو المغولي لبغداد (1258م): واحدة من أبشع مجازر التاريخ، قال ابن تغري بردي إن قتلى المسلمين في بغداد حين دخلها التتار تراوحوا بين مليون وثمانمائة ألف إلى 2 مليون استمر القتل فيهم 40 يوما ، وأُلقيت كتب مكتبة بغداد العظيمة في نهر دجلة حتى اسودّ ماؤه، في محاولة لمحو ذاكرة حضارة بأكملها.
وفي أوروبا نفسها، لم تكن حروبهم أقل وحشية في لحظة النصر. لنذكر فقط "نهب روما" عام 1527م على يد جيوش الإمبراطور الروماني المقدس شارل الخامس (التي كانت تضم مرتزقة ألمان وإسبان). لقد تعرضت عاصمة العالم الكاثوليكي آنذاك لعمليات سلب وقتل واغتصاب وتدمير استمرت لأشهر، لم يسلم منها حتى الكرادلة والراهبات، ودُنست فيها الكنائس بشكل مروع. لقد كانت صدمة هائلة للعالم المسيحي نفسه، وأظهرت كيف يمكن للجشع والتعصب أن يمحو أي حرمة دينية أو إنسانية في لحظة الانتصار العسكري، حتى بين أتباع الدين الواحد.
العصر الحديث: شهدنا النكبة الفلسطينية (1948) وما تلاها، حيث أُجبر مئات الآلاف على ترك ديارهم بالقوة والمذابح (مثل دير ياسين) ولم يُسمح لهم بالعودة أبدًا. وشهدنا مذابح مروعة بحق المسلمين في البوسنة (مثل سربرنيتسا) وغيرها.
هذا هو منطق "عدالة المنتصر" السائد غالبًا: سحق المهزوم ومحو وجوده.
فتح مكة: لحظة قلب الموازين الأخلاقية
والآن... عد بذاكرتك إلى مكة، عام 8 هجري. النبي محمد صلى الله عليه وسلم يعود إلى المدينة التي:
طردته.
عذبت أصحابه أشد العذاب.
صادرت أموالهم وبيوتهم.
حاربته وقتلت أحباءه (مثل عمه حمزة) لأكثر من عشرين عامًا.
يعود إليها اليوم منتصرًا على رأس جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل. أعداؤه اللدودون، قادة قريش الذين تزعموا كل حرب ضده وكل مؤامرة لقتله، أصبحوا الآن أمامه، في قبضته، لا يملكون حولاً ولا قوة.
ماذا يتوقعون؟ بالتأكيد، يتوقعون تطبيق نفس المنطق الذي عرفوه ومارسوه. يتوقعون "يوم الملحمة"، يوم الانتقام لسنوات الظلم الطويلة. يتوقعون السيف والدم.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتِ ليكرر مآسي التاريخ. لقد جاء ليصنع تاريخًا جديدًا.
بعد أن طهّر الكعبة من الأصنام في مشهد مهيب، جمع أهل مكة حوله. وقفوا مطأطئي الرؤوس، ينتظرون القصاص المحتوم.
فنظر إليهم وسألهم سؤاله التاريخي الذي حبس الأنفاس:«يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ (تظنون) أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»
في تلك اللحظة العصيبة، لم يكن أمامهم إلا استحضار ما يعرفونه عن كرم أصله ونبل أخلاقه حتى قبل النبوة، فقالوا برجاء وخوف:"خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ."
(ثم تأتي الكلمة المدهشة التي قلبت كل التوقعات، ونسفت منطق الانتقام من جذوره...)
فنظر إليهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وقال لهم الكلمة التي لم يكن لها مكان في قاموس الفاتحين عبر العصور، الكلمة التي أسست لحضارة جديدة:«اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».
"الطلقاء"! ليسوا أسرى يُستعبدون. ليسوا عبيدًا يُباعون. ليسوا منفيين يُطردون. ليسوا سجناء ينتظرون المحاكمة.
بل أحرار تمامًا! عفوٌ عام وشامل يمحو عقدين من العداوة والدماء والظلم بكلمة واحدة!
عفوٌ عام وشامل يمحو عقدين من العداوة والدماء والظلم بكلمة واحدة! وهذا الموقف بلغ من السمو حدًا جعل المستشرق الفرنسي لوي سيديو يصف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بأنها كانت غاية في الكمال، مستشهدًا بهذا الموقف بالذات ضمن أمثلة أخرى: "وأما أخلاقه وأفعاله فكانت غاية في الكمال؛ منها عفوه عن ألدّ أعدائه بعد فتح مكة...".
شهادة تؤكد أن هذا العفو لم يكن مجرد تصرف سياسي، بل تجلٍ لكمال أخلاقي فريد لاحظه حتى المراقبون من الخارج.
تنبيه: قد يُظن أن الرحمة المطلقة قد تتعارض مع ضرورات الأمن ومنع العدو من العودة للإضرار بالمسلمين. لكن الإسلام وازن بين الأمرين بحكمة. فبينما كان العفو هو الأصل (كما في فتح مكة)، كانت هناك حالات استثنائية قليلة جدًا حُكم فيها بالقتل على بعض قادة الحرب الذين تجاوزوا كل الحدود في الخيانة والغدر والتحريض المستمر (مثل كعب بن الأشرف أو بعض أسرى بدر الذين كانوا من كبار المحرضين). هذا الاستثناء المحدود جدًا يؤكد القاعدة العامة (العفو والرحمة)، ويبين أن للدولة المسلمة الحق في اتخاذ إجراءات حازمة ضد من يشكلون خطرًا وجوديًا مستمرًا لا يمكن دفعه إلا بذلك، ولكن بضوابط صارمة وليس كقاعدة عامة.
لماذا كانت هذه "معجزة أخلاقية"؟
هل تدرك حجم "دهشة" هذا الموقف في سياقه التاريخي والبشري؟
عفوٌ عند تمام القدرة: لم يكن ضعيفًا ليضطر للمساومة أو العفو. بل كان في قمة قوته العسكرية والسياسية. كان قادرًا على الانتقام، لكنه اختار ألا يفعل.
كسرٌ لمنطق الثأر القبلي: في بيئة قبلية كان الثأر فيها دينًا مقدسًا، جاء ليُعلي قيمة العفو والرحمة فوق كل اعتبار، حتى عن ألد الأعداء.
إعادة دمج فورية لا إقصاء: لم يعزلهم أو يهمشهم أو يعاملهم كمواطنين درجة ثانية. بل أعادهم فورًا إلى نسيج المجتمع كمواطنين لهم كامل الحقوق (وحتى قادة قريش دخلوا في الإسلام لاحقًا وشاركوا في الفتوحات).
فتحٌ للقلوب لا للأرض فقط: هذا العفو المذهل كان له أثر السحر. لقد هزّ قلوب أهل مكة ودفع معظمهم للدخول في الإسلام عن قناعة وحب، لا عن خوف أو إكراه. لقد أثبت لهم عمليًا أن هذا الدين هو دين الرحمة حقًا.
عندما تضع هذا العفو النبوي الشامل بجانب مشاهد محاكم التفتيش في الأندلس، ومذابح الصليبيين في القدس، وجرائم المغول في بغداد، ومآسي النكبة في فلسطين، وجرائم التطهير العرقي في البوسنة... تدرك أن ما حدث في فتح مكة لم يكن مجرد "سياسة حكيمة"، بل كان "معجزة أخلاقية" بكل المقاييس.
لقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم للعالم درسًا مدهشًا: أن النصر الحقيقي ليس في سحق عدوك، بل في السمو فوق الرغبة في الانتقام. وأن بناء المستقبل يبدأ بقطع حبال الماضي الأليم، لا بالانغماس في ثاراته.
إن أثر الرحمة والعفو الإسلامي لم يكن مقتصرًا على الجانب الأخلاقي، بل كان له أثر نفسي عميق وتحويلي على الأعداء أنفسهم. قصة إسلام صفوان بن أمية، وهو من أشد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم الذي فرّ بعد فتح مكة خوفًا من القتل، ثم عاد وطلب الأمان فأعطاه النبي أمانًا وزاده مهلة ليفكر، ثم أسلم عن قناعة قائلاً: 'ما طابت نفسي بهذا إلا نفس نبي'، هي مثال على كيف يمكن للعفو عند المقدرة أن يفتح القلوب المغلقة ويحول العدو اللدود إلى نصير مخلص
هذا لم يكن النبي فقط، بل هو "منهج الفاتحين" المسلمين
وهنا قد يقول قائل: "ربما كان هذا العفو خاصًا بشخصية النبي محمد الفريدة ورحمته الاستثنائية، ولا يمكن تعميمه على بقية المسلمين أو قادتهم."
وهذا هو الخطأ الشائع. إن ما حدث في فتح مكة لم يكن مجرد موقف شخصي عابر، بل كان تأسيسًا لمنهج أخلاقي أصبح سنة متبعة لدى القادة المسلمين الصالحين الذين فهموا روح الإسلام الحقيقية. لقد رأوا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم تطبيقًا عمليًا لقوله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] و {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].
لنأخذ أمثلة تاريخية دامغة:
1. عمرو بن العاص في مصر (تكملة لما سبق): عندما دخل عمرو بن العاص مصر فاتحًا، أمّن الجميع على أرواحهم وأموالهم. ولم يكتفِ بذلك، بل بحث عن البطريرك القبطي بنيامين الذي كان هاربًا منهم لمدة 13 عامًا، وأعاده مُكرّمًا إلى كرسيه، ضامنًا الحرية الدينية الكاملة للمسيحيين.
2. صلاح الدين الأيوبي في القدس (1187م): الموقف الذي أذهل أوروبا: عندما استعاد صلاح الدين القدس من الصليبيين بعد 88 عامًا من الاحتلال الدموي والمذابح المروعة التي ارتكبوها عند دخولهم الأول (والتي يصفها مؤرخوهم أنفسهم بالوحشية)، ماذا فعل؟
هل انتقم منهم بالمثل؟ أبدًا!
هل قتل الأسرى أو المدنيين الصليبيين؟ لا! بل أمّنهم جميعًا على حياتهم.
هل سمح لهم بالخروج؟ نعم، سمح لكل من أراد الخروج بأن يخرج آمنًا مقابل فدية رمزية جدًا.
وماذا عن الفقراء الذين لم يستطيعوا دفع الفدية؟ لقد عفا صلاح الدين عن الآلاف منهم (خاصة النساء والأطفال والشيوخ)، بل ودفع الفدية عن بعضهم من ماله الخاص!
وماذا عن الكنائس؟ لم يمس كنيسة القيامة، أقدس موقع للمسيحيين، بأي سوء، بل ضمن لهم حرية ممارسة شعائرهم فيها (بعد أن منعهم الصليبيون الآخرون من الأرثوذكس من دخولها!).
لقد كان موقف صلاح الدين صدمة حضارية لأوروبا في ذلك الوقت. لقد أظهر لهم عمليًا كيف تكون أخلاق الفاتح المسلم الملتزم بدينه، مقارنة بوحشية قادتهم وجيوشهم. إن عفوه ورحمته في القدس لا يزال يُذكر إلى اليوم كنموذج للفروسية والنبل حتى في كتابات المؤرخين الغربيين.
إن المقارنة بين سلوك صلاح الدين الرحيم وسلوك الصليبيين الوحشي عند احتلالهم للمدينة قبل أقل من قرن، تكفي لإظهار أيُّ الحضارتين كانت أرقى أخلاقيًا في ذلك العصر.
تقول المستشرقة الألمانية المعروفة زيجريد هونكه: "حين تمكن صلاح الدين الأيوبي من استرداد بيت المقدس (583هـ / 1187م) -التي كان الصليبيون قد انتزعوها من قبل (492هـ / 1099م) بعد أن سفكوا دماء أهلها في مذبحة لا تدانيها مذبحة وحشية وقسوة- فإنه لم يسفك دم سكانها من النصارى انتقاما لسفك دم المسلمين، بل إنه شملهم بمروءته، وأسبغ عليهم من جوده ورحمته، ضاربا المثل في التخلق بروح الفروسية العالية، وعلى العكس من المسلمين، لم تعرف الفروسية النصرانية أي التزام خلقي تجاه كلمة الشرف أو الأسرى".
المصدر: زيجريد هونكه، الله ليس كذلك، ترجمة د. غريب محمد غريب، ط2 (القاهرة: دار الشروق، 1996م)، ص34.
ويقول الكولونيل البريطاني الذي اتجه في نهاية عمره لدراسة الإسلام وتأثر بالمسلمين وأعجب بأسلوب حياتهم وقيمهم، يقول واصفا هذا المشهد: "لما غزا الصليبيون الأرض المقدسة سنة (1099م)، خلفوا وراءهم في كل مكان الموت والدمار، بيد أنه لما رد صلاح الدين الصليبيين على أعقابهم، لم يلجأ إلى وسائل الانتقام، ولم يخرب المسلمون الأماكن التي فتحوها، كما فعل المقاتلون الدينيون السابقون لهم من الممالك الأخرى، فأينما وضعوا أرجلهم نشأ شيء جديد أسمى وأفضل مما كان قبلا".
المصدر: رونالد ف بودلي، الرسول: حياة محمد، ترجمة محمد محمد فرج وعبد الحميد جودة السحار، (القاهرة: مكتبة مصر، بدون تاريخ)، ص147.
الخلاصة:
إن هذه الأمثلة (وغيرها كثير في التاريخ الإسلامي) تثبت أن العفو عند المقدرة والرحمة بالمهزوم لم تكن مجرد "لفتة نبوية" فريدة، بل كانت "مبدأ إسلاميًا عامًا" ومنهجًا متبعًا ورثه القادة الصالحون عن نبيهم صلى الله عليه وسلم.
لقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم للعالم درسًا مدهشًا في فتح مكة: أن النصر الحقيقي ليس في سحق عدوك، بل في السمو فوق الرغبة في الانتقام. وأن بناء المستقبل يبدأ بقطع حبال الماضي الأليم.
وإن كلمة "اذهبوا فأنتم الطلقاء" تظل صرخة مدوية في وجه كل الطغاة والمنتقمين عبر العصور، وشاهدًا أبديًا على أن الإسلام جاء ليرفع الإنسان فوق غرائزه الدنيا، ويبني حضارة قوامها الرحمة والعفو... حتى في أوج النصر.