الرئيسية سقط القناع الفهرس الفصل 14
الفصل 14

"إنا لا نغدر": القصة المؤلمة التي أثبتت أن كلمة المسلم أغلى من الدم

14. "إنا لا نغدر": القصة المؤلمة التي أثبتت أن كلمة المسلم أغلى من الدم.

في عالم السياسة والمصالح، غالبًا ما تكون "المعاهدات" و "الوعود" مجرد حبر على ورق. أدوات تكتيكية يُلتزم بها طالما تخدم المصلحة، ويُتلاعب بها أو تُنقض بسهولة عندما تتغير الظروف. تصبح "المصلحة الوطنية" (أو القومية أو الحزبية) هي المبرر الأعلى الذي يتجاوز أي التزام أخلاقي أو قانوني. الغدر يصبح "واقعية سياسية"، ونقض العهد يُسمى "مرونة تكتيكية".

لكن الإسلام جاء بمفهوم مختلف جذريًا، مفهوم قد يبدو "غير عملي" أو "مثاليًا بشكل ساذج" لمن اعتاد على حسابات السياسة البراغماتية. لقد جعل الإسلام الوفاء بالعهد ليس مجرد "سياسة حكيمة" لبناء الثقة، بل "دينًا" و "عبادة" و "مسؤولية" يُحاسب عليها الإنسان أمام الله حسابًا عسيرًا.

العهد: مسؤولية أمام الله

القرآن كان حاسمًا وصريحًا:{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [سورة الإسراء: 34].

تأمل كلمة "مسؤولاً"! أي أن الله سيسألك عنه يوم القيامة. ليس مجرد مسؤولية أمام الناس أو التاريخ، بل أمام الله مباشرة.

والنبي صلى الله عليه وسلم جعل الغدر ونقض العهد من علامات النفاق الكبرى (آية المنافق ثلاث... وإذا عاهد غدر). وحذر منه تحذيرًا شديدًا حتى في الحرب، فكانت وصيته الدائمة لجيوشه: "وَلَا تَغْدِرُوا". بل وتوعد الغادر بـ "فضيحة" علنية يوم القيامة ليعرف الناس غدرته:«لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ» [متفق عليه].

الاختبار الأصعب: قصة صلح الحديبية وأبي جندل

قد يبدو هذا الكلام نظريًا جميلاً. لكن المفاجأة الحقيقية، والصدمة الأخلاقية الكبرى، تكمن في التطبيق العملي لهذا المبدأ في واحد من أصعب المواقف وأكثرها إيلامًا وقسوة في التاريخ الإسلامي.

المشهد: صلح الحديبية، العام السادس للهجرة. المسلمون يذهبون للعمرة مسالمين بملابس الإحرام، فتمنعهم قريش (عدوهم اللدود) من دخول مكة. بعد مفاوضات شاقة، يتم التوصل إلى "صلح" مؤقت.

كانت شروط الصلح تبدو للبعض في ظاهرها مهينة للمسلمين. شعر الصحابة بالمرارة والغضب، حتى أن عمر بن الخطاب راجع النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر ("ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟").

لكن الشرط الأكثر إيلامًا وقسوة، والذي كاد يفجر الموقف، كان:"أن من جاء من قريش مسلمًا إلى المدينة (هاربًا بدينه)، يجب على المسلمين أن يردوه إلى قريش (حيث سيتعرض للتعذيب والفتنة). أما من ذهب من المسلمين مرتدًا إلى قريش، فلا ترده قريش."

تخيل مرارة هذا الشرط! أن تُجبر على تسليم أخيك المسلم المستضعف لعدوك ليعذبه ويفتنه في دينه؟! أي قلب يطيق هذا؟!

وبينما كانت وثيقة الصلح تُكتب وتُوقّع...حدث المشهد الذي حبس الأنفاس:

رجل مسلم يقتحم المكان، وهو يجر قيوده الثقيلة التي تحتك بالحصى محدثةً صوتًا مؤلمًا يمزق سكون اللحظة! وجهه مدمى من التعذيب وآثاره بادية على جسده المنهك، وهو يصرخ بأعلى صوته مستغيثًا بالمسلمين:"يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! أأُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونِي فِي دِينِي؟!"

من كان هذا الرجل؟ لقد كان أبو جندل بن سهيل بن عمرو. والمفارقة الأشد إيلامًا أنه ابن "سهيل بن عمرو" نفسه، ممثل قريش الذي كان يفاوض النبي ويوقع معه المعاهدة الآن! لقد أسلم أبو جندل سرًا في مكة، فعذبه أبوه وقومه ليترك دينه، فاستغل فرصة وجود المسلمين قريبًا وهرب إليهم في تلك اللحظة الحرجة!

قام أبوه "سهيل" فورًا، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا محمد، هذا أول ما أقاضيك عليه (أول بند أطالبك بتنفيذه فورًا) أن ترده إليّ حسب الاتفاق!"

كانت لحظة لا تُطاق. الصحابة ينظرون إلى أخيهم المستضعف يستجير بهم وهو في قيوده. القلوب تغلي. عمر ينتفض.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يرى قيود أبي جندل بعينيه، وقلبه يتفطر ألمًا عليه، اتخذ القرار الأصعب، والأكثر إثباتًا للمبدأ في التاريخ. قال بصوت مملوء بالحزن ولكن بثبات لا يتزعزع:«يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَهْدَ اللَّهِ، وَإِنَّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ».

الكلمة المفتاح التي هزت الوجود: "إِنَّا لَا نَغْدِرُ".

انتهى الأمر. تم رد أبي جندل إلى أبيه وإلى مكة، وسط بكاء المسلمين وألمهم وصدمتهم.

ماذا يعني هذا الموقف المدهش؟

قدسية العهد المطلقة: لقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم عمليًا أن كلمة المسلم وعهده، حتى لو أُعطي للعدو، هو ميثاق مقدس لا يجوز نقضه تحت أي ظرف، حتى لو كان الثمن هو ألم المسلمين أنفسهم، وحتى لو بدا تطبيقه "ظلمًا" على أخ مسلم. "كلمة المسلم أغلى من الدم".

بناء الثقة الحضارية: في تلك اللحظة، لم يكن النبي يرد أبا جندل فقط، بل كان يبني للعالم كله أساس "مصداقية" الدولة المسلمة. دولة تفي بكلمتها مهما كان الثمن. هذه المصداقية هي التي ستفتح له لاحقًا قلوب الجزيرة العربية والعالم.

الثقة بوعد الله: لقد طمأن النبي أبا جندل بأن الله سيجعل له مخرجًا. وهذا ما حدث بالفعل بشكل مدهش! فبعد فترة، استطاع أبو جندل وأمثاله من المستضعفين (مثل أبي بصير) الهرب مرة أخرى من مكة، ولم يذهبوا للمدينة (التزامًا بالعهد)، بل أقاموا معسكرًا خاصًا بهم على طريق قوافل قريش التجارية، وبدأوا بمهاجمة هذه القوافل (فهم ليسوا طرفًا في معاهدة النبي مع قريش!). أصبحوا شوكة في حلق قريش، حتى جاءت قريش بنفسها تتوسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يلغي هذا البند من المعاهدة وأن يأخذ هؤلاء المسلمين إليه في المدينة ليكفوا عن مهاجمة قوافلهم! فتحقق وعد الله بالفرج، وثبت أن الصبر على المبدأ يأتي بالخير دائمًا.

ولم يكن موقف الحديبية هو الوحيد. فالتاريخ الإسلامي يحفل بمواقف مشابهة. يُروى عن حذيفة بن اليمان وأبيه أنهما أرادا الالتحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم في بدر، فأخذتهما قريش واشترطت عليهما ألا يقاتلا مع النبي ليطلقوهما. فلما وصلا وأخبرا النبي، قال لهما: 'انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم' (رواه مسلم). لقد فضل النبي الوفاء بالعهد الذي أُعطي للعدو على كسب مقاتلين إضافيين في أحرج الظروف! هذا يؤكد أن الوفاء بالعهد لم يكن خيارًا سياسيًا بل مبدأً دينيًا لا مساومة فيه.

ومن الشواهد على الالتزام الأخلاقي حتى مع الأعداء، معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لرسل وسفراء أعدائه. فعلى الرغم من أن بعض هؤلاء الرسل جاءوا بوقاحة أو حملوا رسائل تهديد (مثل رسل مسيلمة الكذاب)، إلا أن النبي كان دائمًا يؤمّنهم ويرفض قتلهم، قائلاً: 'لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكما'. هذا المبدأ (حصانة المبعوث الدبلوماسي) أصبح قاعدة أساسية في العلاقات الدولية لاحقًا، لكن الإسلام أرساه كواجب ديني وأخلاقي.

المقارنة الصادمة: "الواقعية السياسية" مقابل "شرف الكلمة"

قارن هذا الموقف الفريد بما نراه اليوم (وما رأيناه عبر التاريخ):

دول عظمى تنسحب من اتفاقيات دولية (مثل اتفاق باريس للمناخ، أو الاتفاق النووي الإيراني) بمجرد تغير الإدارة أو تغير المصالح.

الانسحاب الأحادي من اتفاقيات الحد من التسلح: شهدنا أيضًا انسحاب الولايات المتحدة بشكل أحادي من معاهدات مهمة للحد من التسلح تم التفاوض عليها لسنوات طويلة مع روسيا (مثل معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى INF عام 2019، ومعاهدة الأجواء المفتوحة عام 2020). هذه الانسحابات، التي تمت غالبًا بحجج واهية تتعلق بـ "المصلحة الوطنية"، لم تؤدِ فقط إلى تقويض الثقة الدولية، بل أعادت إشعال سباق تسلح خطير يهدد الأمن العالمي بأسره. إنها تُظهر كيف يمكن للقوة العظمى أن تتخلى عن التزاماتها الدولية بسهولة عندما ترى أنها لم تعد تخدم مصالحها الضيقة، بغض النظر عن العواقب على السلام العالمي.

معاهدات سلام تُنقض بسهولة بمجرد تغير موازين القوى (كم من معاهدات نُقضت بين روما وقرطاج؟).

ضمانات دولية تُداس بالأقدام (مثل ضمانات بودابست التي تعهدت بحماية وحدة أراضي أوكرانيا مقابل تخليها عن النووي، ثم غزو روسيا لها).

اتفاقيات وقف إطلاق النار تُنتهك بسهولة، وتُستخدم الهدن كـ "فخ" لإعادة التموضع والهجوم (كما حدث ويحدث في غزة مرارًا).

نقض منهجي لمعاهدات السكان الأصليين في أمريكا وكندا وأستراليا لصالح التوسع الاستيطاني.

الخداع والغدر في السياسة الدولية: لن ننسى "وعد بلفور" المشؤوم (1917) الذي أعطى فيه من لا يملك (بريطانيا) وعدًا لمن لا يستحق (الحركة الصهيونية) بإقامة وطن قومي على أرض شعب آخر (الفلسطينيين)، في خيانة صريحة لوعود سابقة أُعطيت للعرب بالاستقلال. ولن ننسى اتفاقية "سايكس-بيكو" السرية (1916) التي قسمت بلاد العرب كغنيمة بين بريطانيا وفرنسا، بينما كانت الدولتان تتظاهران بدعم تطلعات العرب للتحرر. إن تاريخ السياسة الغربية الحديثة مليء بمثل هذا الغدر الذي يُبرر باسم "المصالح الاستراتيجية".

والقضية الفلسطينية نفسها هي أكبر شاهد على هذا الغدر المستمر. فمنذ "اتفاقيات أوسلو" (1993) التي كان من المفترض أن تؤدي إلى حل الدولتين، ماذا رأينا؟ رأينا إسرائيل تتوسع في بناء المستوطنات بشكل غير مسبوق على الأراضي المحتلة، ضاربةً عرض الحائط بكل الاتفاقيات وقرارات الأمم المتحدة (مثل قرار مجلس الأمن 2334 الذي أدان الاستيطان) بل نتنياهو شخصيًا يتفاخر بأنه أفشل مشروع حل الدولتين الذي هو إجحاف بحق الشعب الفلسطيني ووقعت عليه فصائل لا تمثله ومع ذلك نقضوا هذه العهود ورأينا تنكرًا ممنهجًا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين المكفول بالقرارات الدولية (مثل قرار الجمعية العامة 194). ورأينا حصارًا خانقًا وغير قانوني يُفرض على قطاع غزة لسنوات طويلة، يُعاقب فيه شعب بأكمله بشكل جماعي، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. ورأينا الولايات المتحدة تستخدم "الفيتو" مرارًا وتكرارًا لحماية إسرائيل من أي مساءلة دولية حقيقية، مؤكدةً أن "شرف الكلمة" و "قدسية العهد" لا مكان لهما عندما تتعارض مع دعم الحليف الاستراتيجي، حتى لو كان هذا الدعم على حساب دماء وحقوق شعب بأكمله.

لقد أصبح نقض العهود والغدر "جزءًا من اللعبة" السياسية الدولية، بل ويُعتبر أحيانًا "واقعية سياسية" أو "دفاعًا عن المصالح الوطنية العليا".

الإسلام، في المقابل، قدم نموذجًا مدهشًا في الحديبية. لقد علّم البشرية أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الغدر عندما تسنح الفرصة، بل في الثبات على المبدأ والشرف حتى عندما يكون ذلك مؤلمًا. إنها شهادة تاريخية على أن "الكلمة" في حضارة الإسلام لها وزن أثقل من الذهب والدم معًا.