ماذا يحدث عادةً لأسير الحرب؟ عبر التاريخ، كان مصيره غالبًا مروعًا: إما القتل الفوري بعد الاستسلام، أو الاسترقاق والبيع في أسواق النخاسة كأنه سلعة، أو السخرة الشاقة حتى الموت، أو الإهمال المتعمد في ظروف مهينة لا تليق بحيوان، فضلًا عن إنسان.
في العصر الحديث، ورغم كل مواثيق "جنيف" التي تتحدث عن "المعاملة الإنسانية"، لا يزال الأسير يُنظر إليه غالبًا كـ:
"رقم" في سجلات معتقل مجهول.
"مصدر معلومات" تُستباح كرامته وتُنتهك إنسانيته لانتزاعها (كما سنرى لاحقًا).
"عبء أمني" يُحتجز في ظروف قاسية، ويُحرم من أبسط حقوقه.
لكن الإسلام جاء هنا بقفزة حضارية مدهشة، قفزة قلبت مفهوم التعامل مع الأسير رأسًا على عقب. لقد قال الإسلام للعالم بلغة واضحة: لحظة أن يُلقي عدوك سلاحه ويقع في يدك، يتغير كل شيء! لم يعد مقاتلاً، بل أصبح إنسانًا ضعيفًا تحت مسؤوليتك وحمايتك، له حقوق لا يجوز المساس بها، بل يجب رعايتها.
الأسير: في مرتبة اليتيم والمسكين!
بل إن القرآن الكريم وصل إلى درجة مدهشة في رفع مكانة الأسير الإنسانية، فوضعه في نفس المرتبة مع أشد فئات المجتمع استحقاقًا للرعاية والعطف! يقول الله تعالى في وصف عباده الأبرار الذين يستحقون جنات النعيم:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [سورة الإنسان: 8]
توقف هنا وتأمل!"الأسير" – الذي كان عدوًا يقاتلك قبل قليل وربما قتل أحباءك – يُذكر مباشرة بعد "المسكين" و "اليتيم" كأحد المستحقين للإطعام والإحسان!
والأدهى من ذلك قوله تعالى: {عَلَىٰ حُبِّهِ}! أي أنهم يقدمون له هذا الطعام وهم أنفسهم يحبونه ويشتهونه ويحتاجونه. إنه "الإيثار" في أسمى وأرقى صوره، وموجه لمن؟ لأسير الحرب!
قد يبدو هذا نصًا مثاليًا يصعب تطبيقه على أرض الواقع المرير للحرب. لكن المفاجأة أنه طُبّق حرفيًا، وبشكل لا يكاد يُصدق، في أول اختبار حقيقي للمسلمين.
قصة بدر: عندما أصبح الأسير "ضيفًا" يُؤثر بالخبز!
المشهد: معركة بدر، أول معركة كبرى في الإسلام. انتصر المسلمون، ووقع في أيديهم عدد من أسرى قريش.من هم هؤلاء الأسرى؟ هم نفس الأشخاص الذين كانوا يعذبون المسلمين في مكة أشد العذاب، ويضطهدونهم، ويصادرون أموالهم، وأخرجوهم من ديارهم! الآن، أصبحوا في قبضة المسلمين الضعفاء سابقًا.
ظروف المسلمين؟ كانوا (خاصة المهاجرين والأنصار في المدينة) يعيشون في حالة من الفقر وضيق العيش. طعامهم الأساسي والرئيسي هو التمر. أما الخبز فيُعتبر طعامًا أفضل ونادرًا نسبيًا يقدمونه للضيوف.
فماذا فعلوا بأولئك الأسرى الذين ساموهم العذاب بالأمس؟ لقد جاءت وصية النبي صلى الله عليه وسلم واضحة ومباشرة كالسيف:"اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا." (أي: عاملوا الأسرى أفضل معاملة).
ولنسمع الآن شهادة أحد هؤلاء الأسرى بنفسه، وهو أبو عزيز بن عمير (أخو الصحابي الجليل مصعب بن عمير)، يروي ما لا يكاد العقل البشري يصدقه:
"كنتُ في رهطٍ من الأنصار حين قدموا بي من بدر، فكانوا إذا حضر غداؤهم أو عشاؤهم خصّوني بالخبز وأكلوا هم التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها (أي منحني إياها بسرعة)".
ويضيف أبو عزيز، وهو يصف مشهدًا يفيض بالخجل من فرط الكرم:"فأستحيي فأردها على أحدهم، فيردها عليّ ما يمسها!" [سيرة ابن هشام بتصرف].
هل تستوعب المشهد؟!
المنتصر... الجائع... يُقدم أفضل طعامه (الخبز النادر) لأسيره العدو!
ويأكل هو الطعام الأقل (التمر)!
بل ويستحيي الأسير من كرمهم فيحاول رد الخبز، فيرفضون ويصرون على إطعامه إياه!
هذا لم يكن بروتوكولاً سياسياً لكسب ودّ الرأي العام (فلم تكن هناك كاميرات تصورهم!). ولم تكن رشوة للأسير ليكشف معلومات. لقد كانت عبادة خالصة لله، وتطبيقًا حرفيًا لوصية النبي الرحيم، وترجمة عملية مذهلة لقوله تعالى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ... وَأَسِيرًا}.
إنها قصة تكاد تكون "غير قابلة للتصديق" بمقاييس عالمنا المادي، وتكشف عن أي مستوى مدهش من الإنسانية والرقي وصلت إليه أخلاق الحرب في الإسلام منذ لحظتها الأولى. لقد حوّل الإسلام الأسير من مجرد "غنيمة حرب" أو "رقم في سجن"، إلى "إنسان" له كرامة وحق في الحياة الكريمة، حتى لو كان ذلك على حساب راحة آسره وقوته.
إن هذا الإكرام المدهش للأسرى في الإسلام لم يكن مجرد 'معاملة إنسانية'، بل كان أيضًا 'دعوة صامتة' ودرسًا عمليًا في الأخلاق. كم من أسير دخل الإسلام ليس خوفًا من السيف، بل تأثرًا بهذا السمو الأخلاقي الذي رآه بأم عينه في معاملة آسريه له؟ قصة إسلام ثمامة بن أثال، سيد بني حنيفة، بعد أسره وربطه في المسجد ورؤيته لأخلاق النبي والمسلمين، هي مثال واحد فقط على قوة 'الدعوة بالسلوك' حتى مع الأسرى.
ومن الأمثلة على ذلك أيضًا تعامل صلاح الدين الأيوبي مع أسرى الصليبيين بعد معركة حطين (1187م). فعلى الرغم من مرارة الهزائم السابقة والوحشية التي أظهرها الصليبيون، إلا أن صلاح الدين عامل آلاف الأسرى معاملة إنسانية كريمة. أمر بتوفير الماء والطعام لهم، وعالج جرحاهم، بل وسمح لزوجات بعض القادة الأسرى بزيارتهم والاطمئنان عليهم. وعندما جاءته زوجة أحد القادة باكية تطلب إطلاق سراح زوجها وأبنائها، رقّ لحالها وأطلقهم لها! بل إنه في حالات كثيرة كان يعفو عن الأسرى الفقراء ويعطيهم من ماله ليعودوا إلى بلادهم. لقد كان سلوكه هذا تجسيدًا حيًا لروح الفروسية الإسلامية التي تجمع بين الشجاعة في الميدان والرحمة عند النصر، وهو ما أثار إعجاب ودهشة مؤرخي أوروبا أنفسهم في ذلك العصر.
المقارنة الصادمة: من "إيثار الخبز" إلى وحشية "غوانتانامو"
والآن، لنضع هذا الموقف النبوي السامي في سياق ما تعرض له المسلمون أنفسهم عبر التاريخ، وما يتعرضون له اليوم، حين يقعون أسرى:
في الحروب الصليبية: تصف المصادر التاريخية (حتى الغربية منها) كيف كان الأسرى المسلمون يُقتلون بشكل جماعي بعد استسلامهم (كما حدث في القدس ومعرة النعمان)، وكيف كان يتم التنكيل بهم وتعذيبهم. لم يكن هناك حديث عن "إطعام" أو "إكرام"، بل غالبًا ما كان مصيرهم القتل أو الاسترقاق في ظروف قاسية.
وحتى في حروبهم الداخلية، لم تكن الرحمة حاضرة دائمًا. انظر إلى مصير أسرى الحرب في معسكر "أندرسونفيل" أثناء الحرب الأهلية الأمريكية (1864-1865م). لقد حُشر عشرات الآلاف من جنود الاتحاد الأسرى في مساحة ضيقة موبوءة، دون مأوى كافٍ أو طعام نظيف أو رعاية طبية، فمات منهم حوالي 13 ألف أسير في عام واحد فقط بسبب المرض والجوع والإهمال المتعمد! لقد كان معسكر موت بطيء، يشهد على قسوة التعامل مع الأسير حتى بين أبناء الوطن الواحد عندما تغيب القيم الحقيقية.
في العصر الحديث (وهنا يزداد الظلام):
غوانتانامو: أصبح رمزًا عالميًا لانتهاك حقوق الأسرى في "الحرب على الإرهاب". احتجاز لسنوات طويلة دون محاكمة، استخدام أساليب تعذيب نفسية وجسدية بشعة تحت مسمى "تقنيات التحقيق المعززة"، وإهانة ممنهجة للمعتقدات الدينية (مثل تدنيس القرآن).
أبو غريب وما تلاه (العراق وأفغانستان): الصور الصادمة التي خرجت من سجن أبو غريب لم تكن مجرد "تجاوزات فردية"، بل كشفت عن ممارسات ممنهجة للإذلال والتعذيب الجنسي والنفسي بحق الأسرى العراقيين على أيدي جنود من دول تدّعي ريادة "حقوق الإنسان".
والأدهى من ذلك أن هذه الممارسات لم تكن مجرد تجاوزات وقت الحرب، بل تم تقنينها وتبريرها بأوامر رئاسية ومذكرات قانونية سرية، بحجة "الضرورة" و"المصلحة العليا". وعندما افتُضح الأمر، بدلًا من المحاسبة الجادة للمسؤولين الكبار، تم التستر عليهم أو تقديم أكباش فداء من صغار الجنود. هذا يكشف عن خلل بنيوي في منظومة تدّعي سيادة القانون، حيث يمكن للقانون نفسه أن يُطوّع ليخدم أهدافًا غير أخلاقية، وحيث يمكن للمسؤولين الكبار أن يكونوا فوق المحاسبة. قارن هذا بموقف النبي صلى الله عليه وسلم من خطأ خالد بن الوليد في بني جذيمة، حيث تبرأ من فعله علنًا وأرسل من يدفع الدية ويعوض المتضررين، مرسخًا مبدأ المسؤولية وعدم التستر على الخطأ حتى لو صدر من أقرب القادة.
السجون الإسرائيلية (مأساة مستمرة): التقارير المستمرة من منظمات حقوقية دولية وفلسطينية بل وإسرائيلية تتحدث عن ظروف احتجاز قاسية للأسرى الفلسطينيين (بمن فيهم آلاف الأطفال والنساء)، تشمل: التعذيب الجسدي والنفسي الممنهج، الإهمال الطبي المتعمد، الحرمان من الزيارات العائلية، الاعتقال الإداري (بدون تهمة أو محاكمة)، والتغذية القسرية للمضربين عن الطعام. وهي ممارسات تتناقض بشكل صارخ مع أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، ناهيك عن السمو الأخلاقي الذي رأيناه في الإسلام.
لقد شهدنا ذروة هذه الوحشية مع آلاف العمال والمدنيين الذين تم اعتقالهم من غزة خلال العدوان الأخير. لقد تم توثيق (بالصور والفيديو والشهادات) عمليات تجريدهم من ملابسهم بشكل جماعي في البرد القارس، وتكبيلهم وإهانتهم، وتعريضهم للضرب المبرح والتعذيب، واحتجازهم في ظروف لا إنسانية في معسكرات اعتقال مؤقتة، بل ووردت تقارير موثوقة عن وفاة عدد منهم تحت التعذيب أو بسبب الإهمال الطبي المتعمد داخل المعتقلات.
تحدثت التقارير أيضًا عن حالات تنكيل وتشويه متعمد للجثث شملت دهسها بالآليات العسكرية أو تركها للكلاب تنهشها في الشوارع.
عندما تقارن مشهد الصحابي الجائع وهو يُؤثر أسيره بالخبز ويأكل هو التمر طاعةً لله ورسوله، بمشاهد التعذيب والإذلال الممنهج التي تُمارس في سجون حديثة باسم "الأمن القومي" وتحت غطاء "القانون" أحيانًا... تدرك حجم الفجوة الحضارية.
لم يكن إكرام الأسير في الإسلام مجرد لفتة فردية أو سياسة مؤقتة، بل كان تشريعًا إلهيًا ملزمًا ومنهجًا ثابتًا طُبّق منذ اليوم الأول، حتى في أصعب الظروف. بينما نرى أن الممارسات الوحشية ضد الأسرى (وخاصة المسلمين منهم) استمرت وتطورت حتى في عصرنا هذا، رغم كل "المواثيق" و"الاتفاقيات" الدولية.
إنها مقارنة تكشف مرة أخرى، وبشكل مؤلم، عن الفرق الهائل بين أخلاق مصدرها السماء، وأخلاق تمليها مصالح الأرض وأهواؤها.
إنه الفرق بين حضارة ترى الأسير "إنسانًا" له كرامة وحق، فتؤثره على نفسها قربةً لله، وبين حضارة أخرى تراه مجرد "رقم" أو "مصدر معلومات"، فتسحقه بلا رحمة خدمةً لمصالحها، ثم تتشدق بحقوق الإنسان! أيّ الفريقين أحق بأن يصف نفسه بالمتحضر؟