تخيّل معي لو قلت لك أن جوهر القانون الدولي الإنساني الحديث، تلك القواعد المعقدة التي ملأت آلاف الصفحات في "اتفاقيات جنيف" وغيرها، والتي احتاجت البشرية لحربين عالميتين وملايين القتلى لتتوصل إليها في منتصف القرن العشرين... أن كل هذا الجوهر تقريبًا، يمكن اختصاره في آية قرآنية واحدة نزلت قبلها بأكثر من 1400 عام؟
قد يبدو هذا ادعاءً ضخمًا، أليس كذلك؟ لكن استعد لتُدهش.
في سورة البقرة، نجد تلك الآية المحورية التي تعتبر بحق بمثابة "الدستور الأخلاقي" للحرب في الإسلام. تقول الآية الكريمة:
دعنا نفكك هذه الآية، جزءًا جزءًا، لنكتشف السر المدهش فيها.
1. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: البوصلة الأخلاقية
كما رأينا سابقًا، هذه الكلمات الثلاث تحدد النية والغاية. إنها البوصلة التي توجه المقاتل نحو الهدف الأسمى (إعلاء كلمة الله بالعدل والحق)، وتستبعد فورًا كل الأهداف الدنيئة (الغزو، الغنيمة، الانتقام، المجد الشخصي). إنها الشرط الأول الذي يضمن أن الحرب لن تتحول إلى مجرد وحشية منظمة.
2. ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: ثورة "التمييز"
وهنا تكمن المعجزة التشريعية الأولى! في زمنٍ كانت فيه الحروب تعني "الإبادة الشاملة"، حيث يُعتبر كل من ينتمي للطرف الآخر (رجلاً، امرأة، طفلاً، شيخًا) هدفًا مشروعًا للقتل أو الاسترقاق... جاء الإسلام ليضع مبدأ "التمييز" (Distinction) بشكل صارم وواضح لأول مرة في التاريخ.
القتال موجه فقط وحصريًا ضد من يحمل السلاح ويشارك فعليًا في القتال ضدك.
ماذا يعني هذا بشكل عملي؟ يعني أن كل من عداهم هو في مأمن تلقائيًا:
الأطفال؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا.
النساء؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا إذا لم يشاركن في القتال.
الشيوخ العجزة غير المقاتلين؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا إذا لم يدعموا القتال بالخبرات العسكرية والقيادية وغيره.
رجال الدين المنقطعون للعبادة في صوامعهم؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا طالما لم يشاركوا أو يحرضوا على القتال.
المرضى والجرحى الذين لا يقاتلون؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا.
الفلاحون في حقولهم، الصناع في ورشهم، العمال الأجراء (العسفاء)؟ خارج دائرة الاستهداف تمامًا.
قد يقول القارئ: وأين الدليل الصريح على حماية كل هذه الفئات؟
الدليل ليس فقط في المفهوم الضمني للآية الكريمة، بل في النصوص النبوية الواضحة والتطبيقات العملية التي فصلت هذا المبدأ بشكل لا يدع مجالاً للشك:
الأطفال والنساء والشيوخ: جاء النهي النبوي المتكرر والصريح: "لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأَةً" [رواه أبو داود]. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في إحدى الغزوات امرأة مقتولة، فغضب غضبًا شديدًا وقال مستنكرًا: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ؟!" [رواه أبو داود]، مؤكدًا أن العلة هي عدم المشاركة الفعلية في القتال.
رجال الدين المنقطعون: جاءت وصية النبي صلى الله عليه وسلم، وأكدها الخليفة أبو بكر الصديق في وصيته الشهيرة لجيش الشام: "وَسَتَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ". لماذا؟ لأنهم ليسوا مقاتلين.
المدنيون العاملون (فلاحون، عمال..): جاء في سنن ابن ماجه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "انطلق إلى خالد بن الوليد، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك، يقول: «لا تقتلن ذرية، ولا عسيفا" كما أن هؤلاء يدخلون ضمنًا في النهي عن قتل غير المقاتلين.
وقد أكدت وصايا الخلفاء (كوصية أبي بكر: "ولا تخربن عامرًا") على عدم التعرض لمن يسعى في معيشته طالما لم يشارك في القتال.
ولقد تجلى هذا المبدأ عمليًا في سلوك الجيوش المسلمة أثناء الفتوحات. فعندما حاصر المسلمون بعض المدن للضرورة، لم يلجأوا إلى سياسة التجويع المتعمد للمدنيين كوسيلة ضغط (كما فعلت جيوش أخرى عبر التاريخ)، بل كانوا يركزون جهدهم العسكري على الجيوش المدافعة والحصون. وعندما كانت المدن تُفتح صلحًا (وهو ما كان يحدث في كثير من الأحيان)، كانت العهود تُعطى لجميع السكان بالأمان على أنفسهم وأموالهم وممتلكاتهم وكنائسهم. وحتى في حالات الفتح عنوة (بالقوة العسكرية)، كان القادة المسلمون يحرصون قدر الإمكان على تجنيب المدنيين ويلات القتال بمجرد استسلام الحامية العسكرية. قارن هذا بما حدث في حصار لينينغراد (سان بطرسبرغ) في الحرب العالمية الثانية، حيث حاصرت القوات الألمانية المدينة لأكثر من عامين بهدف معلن هو تجويع سكانها حتى الموت، مما أدى إلى وفاة أكثر من مليون مدني في واحدة من أبشع جرائم الحصار في التاريخ الحديث!
المبدأ واضح كالشمس: الحرب ضد الجيش المقاتل، لا ضد المجتمع بأكمله. هذا التمييز الدقيق، الذي يعتبر اليوم من أساسيات القانون الدولي الإنساني، وضعه الإسلام كقاعدة إلهية ملزمة قبل 14 قرنًا!
هذه المنظومة الأخلاقية المتكاملة للحرب لم تكن مجرد نصوص متفرقة، بل كانت منهجًا واضحًا طبقه النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى به جيوشه، كما يلخص المستشرق الفرنسي إميل درمنغم: "...وكان محمد يوصي جنوده بأن يرحموا الضعفاء والشيوخ والنساء والأولاد، وكان ينهى عن هدم البيوت وإهلاك الحرث وقطع الشجر المثمر، ويأمر بألا يَسُلَّ مسلمٌ حسامه إلا عند أقصى الضرورة... وهو الذي رأى أن النفس الواحدة خيرٌ من كل الغنائم" .
شهادة خارجية قيمة تختصر كيف أعاد الإسلام تعريف معنى الحرب وقيمتها، وجعل حماية الأرواح والممتلكات أولوية حتى في أشد الظروف.
3. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: "المكابح الأخلاقية" المطلقة
هذه الكلمة القصيرة هي المعجزة التشريعية الثانية في الآية، وهي بمثابة "المكابح الأخلاقية" المطلقة التي تضبط سير المعركة بالكامل.
كلمة "تعتدوا" (Transgress) هي كلمة جامعة مانعة تشمل كل أنواع التجاوز والتعدي. إنها ليست مجرد نهي عن قتل المدنيين، بل هي أوسع من ذلك بكثير:
تجاوز الهدف: أي قتل الفئات التي أمر الله بحمايتها (كما فصلنا أعلاه).
تجاوز الوسيلة: أي استخدام أساليب وحشية غير مبررة، مثل التمثيل بالجثث (المُثلة)، أو التعذيب، أو استخدام أسلحة تسبب دمارًا عشوائيًا مفرطًا.
تجاوز الحاجة (مبدأ الضرورة والتناسب): أي التدمير العشوائي للممتلكات أو البيئة (قطع الأشجار، تسميم المياه، حرق المحاصيل) دون ضرورة عسكرية مباشرة ومُلحة.
تجاوز العهد: أي الغدر والخيانة ونقض المواثيق والأمان الذي أُعطي للعدو.
تجاوز الحد في القصاص: أي الانتقام المبالغ فيه الذي يتعدى حدود العدل والمماثلة.
إنه قيد شامل يضع مبدأي "الضرورة" (Necessity) و "التناسب" (Proportionality) - وهما من ركائز القانون الدولي الحديث - كمعيار إلهي لكل فعل في الحرب. القاعدة: لا تفعل إلا ما هو ضروري لرد العدوان، وبما يتناسب مع حجمه، دون أي تجاوز أو عدوان زائد.
4. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: الضمانة التي لا تفشل
وهنا يكمن "السر" الأعظم الذي يجعل هذا القانون الإلهي مختلفًا جذريًا عن "قوانين جنيف" الوضعية. إنها الرقابة الإلهية الداخلية.
المخالفة هنا ليست مجرد "جريمة حرب" قد تُحاكم عليها في محكمة أرضية (أو لا تُحاكم أبدًا، كما نرى اليوم!)، بل هي قبل كل شيء "معصية" تُغضب الله، وتُعرّض صاحبها لخسارة محبة الله وعقابه في الآخرة.
أي دافع أقوى من هذا لضبط النفس في أشد لحظات الغضب والانتقام؟ إنه الضمير الإيماني الذي يعلم أن الله يراه ويراقبه في كل حركة وسكنة.
"جنيف" مقابل الوحي: الورق مقابل القلب
الآن، لنقفز 14 قرنًا إلى الأمام... بعد أهوال الحربين العالميتين، اجتمعت الدول في جنيف عام 1949 لتضع "القانون الدولي الإنساني". ماذا كانت خلاصته؟
التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
التناسب في الهجوم.
المعاملة الإنسانية للأسرى والجرحى.
حظر التمثيل بالجثث والإهانة.
حماية الممتلكات المدنية والبيئة.
أليست هذه هي نفس المبادئ الجوهرية التي اختصرتها تلك الآية القرآنية الواحدة ووضحتها السنة النبوية بالتفصيل قبل ذلك بقرون؟! لقد احتاج العالم "المتحضر" لكل تلك الدماء والمآسي ليكتشف ما كان بديهيًا في شريعة الإسلام منذ فجرها!
بل إن قوانين "جنيف" نفسها، رغم أهميتها، تحمل في طياتها "مرونة" أو "ضبابية" تُستغل لتبرير ما لا يمكن تبريره. فمفهوم "الهدف العسكري المشروع" و "الضرورة العسكرية" و "التناسب" غالبًا ما يُترك تفسيره للقوة المهاجمة نفسها، مما يفتح الباب واسعًا لتقديرات ذاتية تبرر قصف البنية التحتية المدنية أو قتل أعداد كبيرة من المدنيين بحجة وجود هدف عسكري مزعوم أو بحجة أن الضرر "لم يكن مفرطًا مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة"! إنها لغة مطاطة تفتقر إلى الحسم الأخلاقي المطلق الذي نجده في النهي النبوي الواضح: "لا تقتلوا طفلاً... لا تقتلوا امرأة... لا تقتلوا شيخًا فانيًا". لا مجال هنا لـ"تقديرات" أو "تناسب" مزعوم عندما يتعلق الأمر بحياة بريء لا يقاتل.
لكن الفارق يبقى جوهريًا وعميقًا:
قانون "جنيف": مكتوب على ورق، صاغه البشر، ويمكن تغييره أو تفسيره أو تجاهله حسب المصالح.
قانون الإسلام: محفور في القلب، مصدره إلهي، ثابت لا يتغير، وملزم لكل مؤمن.
"جنيف" تحتاج إلى محاكم دولية ومراقبين لتُطبّق (وغالبًا ما تفشل في ذلك). والإسلام يعلي قيمة ضمير المؤمن الذي يعلم أن الله يراه، إضافة إلى ما يلي ذلك من متابعة تنفيذ تلك الأحكام من قبل القائد المسلم و القاضي المسلم .
ومن المثير للاهتمام أن نظرية 'الحرب العادلة' (Just War Theory) في الفكر الغربي، التي تطورت عبر قرون (من أوغسطين إلى توما الأكويني إلى فلاسفة العصر الحديث)، تشترك مع الإسلام في بعض المبادئ (مثل التمييز والتناسب). لكنها تظل نظرية فلسفية وضعية تفتقر إلى الإلزامية المطلقة والرقابة الإلهية الداخلية التي يوفرها المصدر الرباني في الإسلام، مما يفسر سهولة انتهاكها في الممارسة العملية باسم 'المصلحة العليا' أو 'الضرورة'.
وما نراه بأم أعيننا اليوم. غزة هي الدليل الدامغ: رأينا كيف تُداس "اتفاقيات جنيف" بالأقدام كل يوم. رأينا كيف يُستخدم "الفيتو" لمنع تطبيقها أو حتى إدانة خرقها. رأينا كيف تُتجاهل أوامر "محكمة العدل الدولية". وسمعنا التصريح الصادم لوزير الدفاع الأمريكي بأن "جنيف" ليست ملزمة أمام مصالحنا!
إنه "قانون الورق" الذي يسهل خرقه وتمزيقه عندما تتعارض بنوده مع مصالح الأقوياء.
وهذا الفشل ليس مجرد "حادث" أو "خطأ" يمكن تداركه. إنه نتيجة حتمية لمنظومة أخلاقية وضعية تفتقر إلى "المُحرّك الداخلي" و"الرقيب الأعلى". فعندما يكون الالتزام بالقانون مجرد "مصلحة" أو "خوف من العقوبة الدنيوية" (التي غالبًا ما تكون غائبة أو انتقائية)، فمن الطبيعي أن يُضحى بهذا الالتزام عند أول تعارض حقيقي مع "المصلحة العليا" المزعومة للدولة أو للحاكم. لا يمكن بناء صرح أخلاقي متين على أساس رملي متحرك من المصالح البشرية المتقلبة.
أما الإسلام، فقد صنع شيئًا مختلفًا. لم يكتب مجرد قانون، بل بنى "ضميرًا" للمقاتل. هذا الضمير المستمد من الإيمان بالله والخوف منه هو الضمانة الحقيقية الوحيدة لتطبيق الأخلاق في أقسى الظروف.