في زمنٍ كانت فيه حروب الإبادة قاعدة، وكان قتل أطفال العدو ونسائهم يُعتبر جزءًا طبيعيًا، بل و"ذكيًا"، من استراتيجية الحرب لـ "كسر شوكة العدو" وضمان عدم عودته للانتقام مستقبلاً... جاء الإسلام معلنا بصوتٍ عالٍ لم يسمعه التاريخ من قبل: قفوا! هناك خط أحمر مطلق لا يجوز تجاوزه أبدًا، تحت أي ظرف، وبأي مبرر.
ما هو هذا الخط الأحمر؟ إنه حياة الأبرياء. وعلى رأسهم، الأطفال.
أمرٌ عسكري، لا توصية أخلاقية
لم تكن مجرد توصية أخلاقية لطيفة تُترك لضمير القائد، بل كانت أمرًا عسكريًا مُلزمًا يخرج من فم النبي القائد صلى الله عليه وسلم لجيوشه الذاهبة للقتال. تكررت هذه الوصية مرارًا وتكرارًا، بألفاظ واضحة لا تحتمل التأويل أو التخصيص:
"لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا." (الوليد: الطفل الصغير جدًا)
"لَا تَقْتُلُوا طِفْلًا."
"لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً." (الذرية تشمل كل الأطفال)
هذا النهي لم يكن مقيدًا بشرط ("إلا إذا اختبأوا خلف مقاتل")، ولا مخصوصًا بحالة ("إلا في حالة الدفاع عن النفس"). إنه نهي مطلق. حياة الطفل مقدسة لذاتها، بغض النظر عن دين أبويه أو موقف قومه.
ولم يتوقف الأمر عند الأطفال، بل امتد ليشمل كل من لا يشارك فعليًا في القتال:
النساء: "وَلَا امْرَأَةً."
الشيوخ العجزة: "وَلَا شَيْخًا فَانِيًا." (الفاني: الذي بلغ من الكبر عتيًا ولم يعد قادرًا على القتال أو حتى التحريض عليه).
استهداف أي من هؤلاء يحوّل الحرب فورًا من مواجهة عسكرية قد تكون ضرورية، إلى "جريمة حرب" بشعة وممقوتة عند الله.
غضب النبي: "ما كانت هذه لتقاتل!"
والأمر لم يكن مجرد كلام يُقال. لقد رأينا كيف تجسد هذا المبدأ في غضب النبي صلى الله عليه وسلم الشديد عندما رأى امرأة مقتولة في ساحة إحدى المعارك. لم يسأل عن اسمها أو دينها أو سبب وجودها هناك. لم يبحث عن مبررات. بل قال مستنكرًا في وجه الصحابة:"مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ؟!"
جملة واحدة تختصر قانونًا كاملاً: طالما أنها ليست مقاتلة فعلية تحمل السلاح، فقتلها جريمة وعدوان لا يرضاه الله ورسوله.
المقارنة الصادمة: "الأضرار الجانبية" ولغة التبرير الحديثة
الآن... قف هنا للحظة. تذكر أن هذا الكلام قيل وطُبّق قبل 1400 عام. ثم انظر إلى عالمنا "المتحضر" اليوم. انظر إلى لغة الحروب الحديثة الباردة واللاإنسانية.
لقد اخترعوا المصطلح الأكثر برودًا وقسوة في التاريخ: "الأضرار الجانبية" (Collateral Damage).
وهذا المصطلح لم يُخترع عبثًا، بل هو جزء من هندسة لغوية تهدف إلى "تطهير" الحرب من بشاعتها الأخلاقية. فعندما يُقتل مئات الأطفال في قصف سوق شعبي أو مدرسة، لا يُقال "ارتكبنا مجزرة"، بل يُقال "وقع ضرر جانبي مؤسف أثناء استهداف إرهابيين".
هذه اللغة المخادعة ليست مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هي أداة لتخدير الضمير الإنساني وتبرير ما لا يمكن تبريره. وهي تُستخدم بوقاحة لتسويق حروب كاملة، كما حدث في حرب فيتنام حيث كانت قرى بأكملها تُمسح من الوجود تحت مسمى "مناطق إطلاق نار حرة" (Free-fire zones)، وكما يحدث اليوم في غزة حيث تُقصف مربعات سكنية بأكملها بحجة وجود "هدف مشروع" بداخلها، في استهتار مروع بحياة الآلاف.
الأضرار الجانبية، كلمتان سحريتان تُستخدمان لتحويل الطفل الذي قُتل بقنبلة ذكية وهو نائم في سريره... إلى مجرد "خسارة مؤسفة" لكنها "حتمية" أو "غير مقصودة" في سياق "عملية عسكرية ضرورية". إنه الغطاء اللغوي البارد الذي يبرر قصف المباني السكنية المكتظة بالسكان، والمدارس، والمستشفيات، والأسواق، ومخيمات اللاجئين... بحجة وجود "هدف عسكري" مزعوم في مكان قريب.
لقد رأينا هذا بأم أعيننا يتجسد في أبشع صوره في غزة، وسمعناه بألسنة المسؤولين الغربيين أنفسهم، يتكرر بلا خجل:
تبرير "حق الدفاع عن النفس" المطلق: سمعنا مرارًا وتكرارًا التأكيد على "حق إسرائيل المطلق في الدفاع عن نفسها"، غالبًا دون أي ذكر موازٍ لحق الفلسطينيين في الحياة أو ضرورة الالتزام بقانونهم الدولي. هذا التأكيد المطلق بدا وكأنه يعطي ضوءًا أخضر لاستخدام القوة المفرطة والمميتة ضد المدنيين.
إلقاء اللوم على الضحية (دروع بشرية): تصريحات متكررة تردد الادعاء الإسرائيلي بأن حماس "تستخدم المدنيين دروعًا بشرية"، وهو تبرير يُستخدم دائمًا لتحميل الضحايا أنفسهم مسؤولية مقتلهم، وتخفيف العبء الأخلاقي عن القوة المهاجمة.
ولقد رأينا استخدامًا مروعًا لهذا التبرير في حروب أخرى شنتها قوى غربية. ففي عام 2017 أثناء قصف مدينة "الرقة" السورية، قامت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بقصف جوي ومدفعي هو الأعنف في التاريخ الحديث، أدى إلى تدمير 80% من المدينة ومقتل آلاف المدنيين العالقين بداخلها. ورغم التقارير الموثقة من منظمات دولية (مثل منظمة العفو الدولية) التي وصفت ما حدث بأنه "حرب إبادة"، كان التبرير الرسمي هو أن داعش "استخدم المدنيين دروعًا بشرية" وأن القصف كان ضروريًا "لتحرير المدينة بأقل خسائر ممكنة في صفوف قوات التحالف"! هكذا، يُبرر سحق مدينة بأكملها فوق رؤوس سكانها، وتُلقى المسؤولية على الضحايا أنفسهم، بينما يخرج القاتل الحقيقي بملابس "المحرر"!
القبول الضمني بالخسائر المدنية: تصريحات تصف الوضع بأنه "مأساوي للغاية" لكنها تؤكد في نفس الوقت على "حق الدفاع عن النفس ضد الإرهاب"، بدت وكأنها تقبل ضمنيًا بمقتل عشرات الآلاف كـ "ثمن لا مفر منه" لمواجهة طرف آخر.
رفض الإدانة الصريحة: التردد الطويل في استخدام مصطلحات قوية مثل "جرائم حرب" أو "إبادة جماعية"، والاكتفاء بعبارات عامة مثل "الحاجة لحماية المدنيين"، بل ومعارضة الدعوات لوقف فوري لإطلاق النار في المحافل الدولية (عبر الفيتو المتكرر).
عندما يغضب النبي صلى الله عليه وسلم لمقتل امرأة واحدة "ما كانت لتقاتل"، بينما يُبرر قادة القرن الحادي والعشرين أو يقللون من هول مقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء عبر استخدام لغة دبلوماسية باردة وتبريرات واهية... هنا ندرك الفجوة الأخلاقية الهائلة. ندرك أنلم تتقدم، بل ربما ارتدت إلا من رحم ربي إلى جاهلية أشد قسوة ودموية، جاهلية تمتلك الآن أسلحة دمار شامل، وتمتلك آلة إعلامية جبارة لتبرير جرائمها بدم بارد.
الإسلام، قبل 14 قرنًا، لم يتحدث عن "تقليل" قتل الأطفال، بل حرّمه تحريمًا مطلقًا. لم يخترع مصطلح "الأضرار الجانبية" ليبرر قتلهم، بل جعل حمايتهم "خطًا أحمر" لا يجوز تجاوزه تحت أي ذريعة.
إنها حقيقة مدهشة وصادمة في وضوحها الأخلاقي المطلق، تضع شريعة الإسلام في قمة الهرم الأخلاقي، وتكشف زيف كل الادعاءات الحضارية التي تسقط عند أول اختبار حقيقي للدم.