الرئيسية سقط القناع الفهرس الفصل 6
الفصل 6

"الفتح" لا "الغزو": تفكيك المفهوم الذي أسيء فهمه عمدًا.

وهنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية ومحورية، السؤال الذي يُطرح دائمًا في وجه أي نقاش: أليست "الفتوحات الإسلامية" في جوهرها حروبًا "هجومية"؟ أليس ما يسمى بـ "جهاد الطلب" هو في الحقيقة "غزو" أو "تدخل" لفرض الدين بالقوة؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نرتكب "خيانة معرفية" أولاً: علينا أن نتوقف فورًا عن استخدام المصطلحات الغربية الحديثة (مثل "حرب هجومية" أو "احتلال") لوصف فعل إسلامي له فلسفته الخاصة تمامًا.

إن إسقاط مصطلحات وُلدت من رحم الفكر الاستعماري الأوروبي (Colonialism) على نموذج "الفتح" الإسلامي، هو الخطأ المنهجي الأول الذي يؤدي حتمًا إلى سوء الفهم.

مع ضرورة التنويه بأن اللفظ العربي المستخدم في السيرة والأحاديث النبوية وكتب التاريخ الإسلامي مثل "غزا , يغزو , غزاة وغزوات" لا يتضمن المعاني التي تتبادر إلى الذهن من مفاهيم كلمة الغزو في المفهوم الحديث.

ولذا دعنا نفكك المفهومين، ونرى لماذا لا يلتقيان أبدًا.

القاعدة الحاكمة: "الرحمة" و "الاختيار"

قبل أن نخوض في أي تفصيل عسكري، يجب أن نضع القاعدتين الذهبيتين اللتين تحكمان كل شيء في الإسلام:

القاعدة الأولى (الغاية): {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}. [الأنبياء: 107]

القاعدة الثانية (الوسيلة): {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۗ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. [البقرة: 256]

وهنا الحجة العقلية الأولى: كيف يمكن لرسالة غايتها "الرحمة للعالمين" أن تستخدم وسيلة "الإكراه" الذي هو نقيض الرحمة؟ وكيف يمكن لـ "الرشد" أن يُفرض بالقوة، بينما هو لا يكون رشدًا إلا إذا جاء بالاختيار الواعي؟

إذًا، من المستحيل منطقيًا أن يكون الهدف من أي تحرك عسكري إسلامي هو "إجبار الناس على الدين". هذا يُبطل المبدأين (الرحمة والاختيار) من جذورهما. إذًا، ما هو الهدف؟

الفرق الجوهري: "الفتح" (Liberation) ضد "الغزو" (Invasion)

هنا يجب أن نميز بين فلسفتين متناقضتين تمامًا:

1. فلسفة "الغزو / الاحتلال" (Invasion/Colonialism):

ما هو هدفها؟ الأخذ (Take).

ماذا تأخذ؟ الموارد (الذهب، النفط، الأرض)، النفوذ السياسي، والأسواق.

كيف تنظر للشعوب؟ كـ "مُستَعمَرين" (Subjects) يجب إخضاعهم أو استغلالهم.

النتيجة؟ استبدال نخبة حاكمة بنخبة أجنبية مستغِلة (كما فعلت إسبانيا في أمريكا الجنوبية، وبريطانيا في الهند).

2. فلسفة "الفتح" الإسلامي (Liberation/Opening):

ما هو هدفها؟ العطاء (Give).

ماذا تعطي؟ رسالة جديدة، وحق الاختيار الحر، ونظامًا عادلاً.

كيف تنظر للشعوب؟ كـ "مُحرَّرين" (Beneficiaries) يجب رفع الظلم عنهم.

النتيجة؟ إزالة "النظام" الطاغية الذي يقف حاجزًا بين الناس وبين حريتهم، مع منح الناس الأمان الكامل.

"الفتح" هو المصطلح القرآني الدقيق {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}. "الفتح" لا يعني "الاحتلال"، بل يعني "إزالة الأقفال" و "فتح الأبواب المغلقة" بالقوة. كانت الأنظمة (البيزنطية والفارسية) تقيم "جدرانًا" عازلة تمنع شعوبها بالقوة من مجرد سماع أي رسالة أخرى. فكان "الفتح" يهدف لهدم الجدار، لا لاقتحام البيت.

بروتوكول التحرير (الخيارات الثلاثة)

هذا الفرق الفلسفي ليس نظريًا، بل له تطبيق عملي مدهش. لو كان الهدف هو "الغزو" (كالنموذج الغربي)، لكان البروتوكول هو: "الصدمة والترويع" (Shock and Awe) أولاً، ثم القتل، ثم فرض الأمر الواقع.

لكن "بروتوكول الفتح" الإسلامي كان النقيض تمامًا. إنه لا يُوجَّه للشعوب، بل يُوجَّه للنظام الحاكم (الحاجز):

1. الخيار الأول (الاندماج): "الإسلام". المعنى: "انضموا إلينا في هذا النظام الجديد القائم على العدل والمساواة، وتصبحون إخوة لنا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا". تُحقن الدماء فورًا.

2. الخيار الثاني (التعايش أو "الحياد الإيجابي"): "العهد والجزية". وهذا هو الخيار الذي ينسف الشبهة من جذورها. المعنى: "لا تريدون الإسلام؟ لكم ذلك {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. لكن تنحوا جانبًا. ارفعوا أيديكم عن رقاب الناس. سنقوم نحن بحماية هذا الشعب (بما فيهم أنتم) وضمان حريتكم الدينية الكاملة، مقابل ضريبة دفاع رمزية (الجزية) لأننا أصبحنا المسؤولين عن حمايتكم".

هنا تسقط الأكاذيب: أي "غازٍ" هدفه فرض الدين، يعرض على الناس خيار "البقاء على دينهم بأمان"؟ هذا تناقض مطلق!

لو كان الهدف هو فرض الدين بالقوة، لكان من الأسهل والأسرع عسكريًا إما إبادة المخالفين (كما فعل الإسبان) أو إجبارهم تحت تهديد السيف المباشر. أما عرض خيار 'التعايش بالعهد والجزية' فهو خيار مُكلف للدولة المسلمة (لأنها تصبح مسؤولة عن حمايتهم) ولا يخدم هدف 'الأسلمة القسرية' المزعوم. إذن، وجود هذا الخيار بحد ذاته ينفي تهمة الإكراه.

3. الخيار الثالث (إزالة الحاجز بالقوة): "الحرب". المعنى: "إذا رفضتم الاندماج، ورفضتم التعايش السلمي، وأصررتم على الوقوف كحاجز مسلح تمنعون الناس من حرية الاختيار... عندها فقط، سنضطر لإزاحتكم (أنتم كنظام) بالقوة".

النتيجة المنطقية: في كل الحالات، الشعوب رابحة. إما رابحون بالعدل كمسلمين، أو رابحون بالأمان وحرية الدين كأهل ذمة. الخاسر الوحيد هو "النظام القمعي".

قبح النموذج الآخر: الغزو من أجل الذهب، الأرض، والنفط

الآن، دعنا ننظر بوضوح إلى نقيض هذا النموذج تمامًا، لنرى الغرب بلا أقنعة:

النموذج الأول: الغزو من أجل "الذهب" (الاستعمار الإسباني):

الشعار: نشر المسيحية.

الحقيقة: البحث عن "الذهب".

البروتوكول: لم يكن هناك "خيارات ثلاثة". كان "هيرنان كورتيز" يدخل المدن، يذبح الآلاف، ينهب الذهب، ويهدم المعابد ليبني فوقها كنائس. لقد فرض الدين بالقوة، وأباد ثقافات بأكملها (الأزتيك والإنكا). هذا هو "الإكراه في الدين" بعينه.

النموذج الثاني: الغزو من أجل "الاستغلال" (الاستعمار البريطاني):

الشعار: "جلب الحضارة" (The White Man's Burden).

الحقيقة: الاستغلال الاقتصادي البشع (شركة الهند الشرقية).

البروتوكول: "فرّق تسد". إثارة النعرات بين الهندوس والمسلمين، ونهب الثروات، والتسبب في مجاعات (مثل مجاعة البنغال) أودت بحياة الملايين. لم يكن "فتحًا"، بل كان "مصًّا" لدماء البلاد.

ولم تكن مجاعة البنغال (1770م ثم 1943م) مجرد كارثة طبيعية، بل كانت إلى حد كبير نتيجة مباشرة لسياسات شركة الهند الشرقية البريطانية ثم الإدارة البريطانية، التي استمرت في تصدير الحبوب من الهند وفرض ضرائب باهظة حتى والملايين يموتون جوعًا! بل إن ونستون تشرشل نفسه، الذي يُحتفى به كـ"بطل العالم الحر"، عبّر عن ازدراء عنصري تجاه الهنود أثناء مجاعة 1943 قائلاً (كما تنقل الوثائق): "أكره الهنود. إنهم شعب وحشي بدين بغيض. المجاعة هي خطؤهم لأنهم يتكاثرون كالأرانب"! وعندما قمع البريطانيون "ثورة الهند الكبرى" (1857م)، لم يكتفوا بقتل الثوار، بل قاموا بعمليات إعدام جماعية وحشية شملت ربط بعض الأسرى بفوهات المدافع وتفجيرهم كرسالة رعب! أهذه هي "الحضارة" التي زعموا أنهم جاءوا لنشرها؟

النموذج الفرنسي (الاستغلال والقمع الدموي): ولم يكن الاستعمار الفرنسي أقل وحشية. ففي الجزائر، التي احتلتها فرنسا لأكثر من 130 عامًا (1830-1962م)، لم تكتفِ بنهب ثروات البلاد وفرض لغتها وثقافتها بالقوة، بل مارست سياسات قمع دموي مروعة ضد أي مقاومة. يُقدر أن حرب التحرير الجزائرية وحدها (1954-1962م) أودت بحياة أكثر من مليون شهيد جزائري! وشهدت هذه الحرب استخدامًا ممنهجًا للتعذيب والاغتصاب والمجازر الجماعية بحق المدنيين (مثل مجازر سطيف وقالمة وخراطة عام 1945م). لقد ترك الاستعمار الفرنسي جروحًا غائرة في ذاكرة وهوية الشعب الجزائري، تكشف عن وجه آخر قبيح للاستغلال الاستعماري الذي يدّعي التحضير.

النموذج البلجيكي (الإبادة من أجل المطاط): وربما لا يوجد مثال أبشع على جشع الاستعمار الأوروبي ووحشيته المطلقة مما حدث في "دولة الكونغو الحرة" (1885-1908م)، التي لم تكن مستعمرة بلجيكية رسمية، بل كانت "ملكية خاصة" للملك ليوبولد الثاني! تحت ستار "نشر الحضارة" و"محاربة تجارة الرقيق"، أقام ليوبولد نظام استغلال مرعب لجمع المطاط والعاج. تم إجبار السكان المحليين على العمل بالسخرة، ومن لم يحقق "الحصة" المطلوبة منه كان يتعرض لعقوبات وحشية تشمل القتل والجلد وبتر الأيدي والأقدام! لقد انتشرت صور مروعة لأطفال وشيوخ مبتوري الأيدي كدليل على هذه الوحشية. تشير التقديرات إلى أن عدد سكان الكونغو انخفض بمقدار يصل إلى 10 ملايين نسمة خلال فترة حكم ليوبولد بسبب القتل المباشر والمجاعة والأمراض الناتجة عن هذا النظام الوحشي! لقد كانت إبادة جماعية صامتة، ليس من أجل الدين أو الأرض، بل فقط من أجل "الربح" الشخصي لملك أوروبي "متحضر".

النموذج الثالث (الأبشع): الغزو من أجل "الأرض" (الاستعمار الاستيطاني): وهنا نصل إلى المثال الذي طلبته، وهو يكشف عن فلسفة الإبادة والاستبدال.

الشعار: "القدر الواضح" (Manifest Destiny) أو "الأرض لمن يعمرها".

الحقيقة: الاستيلاء على الأرض، واستبدال السكان الأصليين.

المكان: الولايات المتحدة، كندا، أستراليا.

هنا، لم يكن الهدف "إخضاع" السكان الأصليين، بل كان "إزالتهم" لأنهم كانوا يُعتبرون "عائقًا" أمام التوسع.

في أمريكا: تم ارتكاب جرائم تطهير عرقي ممنهجة. نُقضت كل معاهدة (أكثر من 500 معاهدة) وُقعت مع القبائل. تم تهجيرهم قسرًا في "مسيرة الدموع" (Trail of Tears) ومطاردتهم كـ "وحوش" (Bison and Indian were hunted alike).

ولم تكن "مسيرة الدموع" مجرد تهجير، بل كانت رحلة موت بطيء تحت ظروف لا إنسانية، قُتل فيها الآلاف من البرد والجوع والمرض. ولم يتوقف الأمر عند التهجير، بل امتد إلى سياسات متعمدة لتدمير أسس حياة السكان الأصليين، مثل الإبادة شبه الكاملة لقطعان "البيسون" (الجاموس الأمريكي) التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لغذائهم وحياتهم، بهدف تجويعهم وإجبارهم على الاستسلام أو الموت. لقد كانت حرب إبادة شاملة، ليس فقط ضد البشر، بل ضد بيئتهم ومصدر رزقهم.

في كندا: تم إنشاء "المدارس السكنية" (Residential Schools)، وهي جريمة "إبادة ثقافية" ممنهجة، كان هدفها المعلن هو "اقتلوا الهندي في الطفل" (Kill the Indian in the child)، حيث انتُزع أطفال السكان الأصليين من عائلاتهم بالقوة لـ "تمدينهم".

تخيل الرعب في عيون طفل يُنتزع من حضن أمه، ويُلقى به في مكان غريب تُحظر فيه لغته، وتُمتهن ثقافته، ويتعرض فيه لأقسى أنواع الإيذاء الجسدي والنفسي، بل والجنسي أحيانًا، وكل ذلك باسم "التعليم" و"الحضارة"! لقد كانت جريمة ممنهجة لقتل الروح قبل الجسد، تركت جروحًا لا تندمل في ذاكرة أمة بأكملها.

في أستراليا: تم التعامل مع السكان الأصليين (Aborigines) لعقود طويلة على أنهم جزء من "الحيوانات" (Fauna) وليسوا بشرًا! وتمت سرقة أطفالهم فيما يُعرف بـ "الأجيال المسروقة" (Stolen Generations).

هذا هو النموذج الغربي في ذروة وحشيته: الإبادة العرقية والثقافية الكاملة من أجل الأرض.

النموذج الرابع: الغزو من أجل "النفط" (الاستعمار الحديث):

الشعار: "الديمقراطية" (العراق 2003).

الحقيقة: النفط والنفوذ الجيوسياسي.

البروتوكول: "الصدمة والترويع" (قصف المدنيين أولاً)، تدمير الدولة، وتركها في فوضى عارمة بعد تأمين المصالح.

وليست العراق هي الحالة الوحيدة. انظر إلى تاريخ التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة وما بعدها. كم من حكومة منتخبة ديمقراطيًا (لكنها لا تخدم المصالح الأمريكية) تم إسقاطها بانقلابات عسكرية مدعومة من وكالة المخابرات المركزية (CIA)، ليتم تنصيب ديكتاتوريات وحشية موالية لواشنطن؟ (مثل ما حدث في تشيلي ضد سلفادور أليندي عام 1973، أو في غواتيمالا ضد جاكوبو أربينز عام 1954، وغيرها الكثير). لم يكن الهدف "نشر الديمقراطية"، بل كان ضمان استمرار هيمنة الشركات الأمريكية الكبرى (مثل شركة يونايتد فروت في غواتيمالا) والسيطرة السياسية والاقتصادية على "الفناء الخلفي" لأمريكا. والنتيجة دائمًا: عقود من القمع والظلم والحروب الأهلية والفقر المدقع لشعوب تلك البلدان. أهذا هو نموذج "تحرير الشعوب" الذي يريدون تصديره للعالم؟

سادسًا: شهادة التاريخ (النتائج تتحدث عن نفسها)

أعظم دليل على صدق النوايا هو النتائج الملموسة على الأرض. وهنا تأتي الحقيقة الساطعة:

لو كان "الفتح" الإسلامي يحمل نفس فلسفة "الغزو" الاستعماري الأوروبي (سواء الإسباني، البريطاني، أو الاستيطاني)، لكانت النتائج متشابهة حتمًا.

لو كان الهدف هو "الإكراه الديني" (كالغزو الإسباني للمكسيك)، لكان أول ما فعله الفاتحون هو هدم دور العبادة وقتل رجال الدين وفرض محاكم التفتيش.

لو كان الهدف هو "الإبادة والاستبدال" (كالغزو الاستيطاني لأمريكا وأستراليا)، لكان مصير أهل البلاد الأصليين هو القتل والمطاردة والتطهير العرقي.

لو كان الهدف هو "الاستغلال والنهب" (كالاستعمار البريطاني للهند)، لكانت النتيجة هي إفقار البلاد وتدمير صناعاتها المحلية وإثارة الفتن الداخلية.

لكن، ماذا حدث فعلاً في البلاد التي فُتحت؟

1. مصر: من الاضطهاد إلى مركز حضاري

لنعد إلى مصر كمثال صارخ:

عودة الأمان الديني: لم يقتصر الأمر على عودة البطريرك بنيامين من منفاه. بل تم إلغاء كل القوانين البيزنطية التي كانت تضطهد الأقباط، وسُمح لهم باستعادة كنائسهم وأديرتهم التي دُمرت، وأصبح لهم قضاؤهم الخاص في مسائل الأحوال الشخصية. لقد تنفس النصارى الصعداء بعد قرون من القهر تحت حكم "إخوتهم" في الدين سابقًا!

ازدهار اللغة القبطية: المدهش أنه في القرون الأولى للحكم الإسلامي، ازدهرت اللغة القبطية كلغة أدب وعلم ودين، ولم تُفرض اللغة العربية فرضًا (كما فعل المستعمرون الأوروبيون بلغاتهم لاحقًا). التحول إلى العربية كان تدريجيًا وطوعيًا على مدى قرون طويلة نتيجة للتفاعل الحضاري.

المشاركة في بناء الدولة: لم يُعزل النصارى كمواطنين درجة ثانية. بل شاركوا بفعالية في إدارة الدولة، خاصة في الشؤون المالية والإدارية، وبرز منهم أطباء وعلماء وفلاسفة كبار خدموا المجتمع بأسره.

هل هذه هي نتائج "غزو" يهدف للإبادة أو الإكراه؟ أم هي نتائج "تحرير" يهدف للتعايش والعدل؟

2. الأندلس: عصر ذهبي للتعايش (قبل السقوط)

عندما نتحدث عن التعايش، تبرز الأندلس كنموذج أسطوري (على الأقل في عصورها الذهبية).

ازدهار غير مسبوق لليهود: بعد أن كان اليهود مضطهدين بشدة تحت حكم القوط الغربيين (Visigoths) قبل الإسلام، وجدوا في ظل الحكم الإسلامي في قرطبة وغرناطة عصرهم الذهبي بكل المقاييس. برز منهم وزراء (مثل حسداي بن شبروط)، وأطباء، وفلاسفة عالميون (مثل موسى بن ميمون)، وشعراء كبار (مثل يهوذا اللاوي). لقد كتبوا أعظم أعمالهم بالعربية أو بالعبرية في بيئة آمنة ومزدهرة.

تفاعل حضاري فريد: لم تكن مجرد "سماح" بالوجود، بل كان تفاعلًا حضاريًا حقيقيًا. المسيحيون ("المستعربون") تعلموا العربية وشاركوا في الحياة الثقافية. المسلمون ترجموا علوم اليونان والرومان وحفظوها وطوروها. لقد كانت الأندلس بوتقة انصهرت فيها الحضارات وأضاءت لأوروبا المظلمة طريق النهضة.

قارن هذا بمصير المسلمين واليهود بعد سقوط الأندلس: محاكم التفتيش، الإجبار على التنصير، الطرد الجماعي. هنا يتضح الفرق بين حضارة تحتضن التنوع، وحضارة ترفضه وتقمعه.

ولم يكن هذا التعايش مجرد سياسة واقعية، بل هو تطبيق لمبدأ التسامح الذي لاحظه حتى كبار المؤرخين الغربيين، مثل عالم الاجتماع الفرنسي الشهير غوستاف لوبون الذي يقر بالسبق الأخلاقي للإسلام في معاملة أهل الكتاب قائلاً: "رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته، وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوربا المرتابون أو المؤمنون القليلون الذين أنعموا النظر في تاريخ العرب".

إقرار صريح من مؤرخ غربي بارز بتميز الإسلام في باب التسامح الديني العملي وسبقه للأديان الأخرى في هذا المجال، ونفي لتهمة التعصب التي كثيرًا ما تُلصق به.

وتصف المستشرقة الألمانية سيغريد هونكه في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" الروح التي سادت هناك تحت الحكم الإسلامي بقولها (ما معناه):

"لقد سادت في إسبانيا المسلمة روح من التسامح النبيل لم تعرفها أوروبا المسيحية في ذلك العصر. فبينما كان التعصب الأعمى يحكم في أماكن أخرى، ازدهرت في قرطبة وغرناطة حضارة جمعت المسلمين والمسيحيين واليهود، وسمحت للعلوم والفنون والفلسفة بأن تبلغ أوجها بفضل هذا التفاعل الفريد."

شهادة تسلط الضوء على الأندلس كنموذج تاريخي للتعايش والازدهار الحضاري تحت الحكم الإسلامي، في تناقض صارخ مع واقع أوروبا في العصور الوسطى.