الرئيسية سقط القناع الفهرس الفصل 5
الفصل 5

هل تعلم أن هناك ملايين أسلموا بلا معركة واحدة؟

ربما تكون هذه واحدة من أكبر المفاجآت التي ستسمعها عن الإسلام، حقيقة تاريخية وجغرافية دامغة تنسف الكثير من الاتهامات. هل تعلم أن أكبر دولة إسلامية في العالم اليوم من حيث عدد السكان، وهي إندونيسيا (بأكثر من 230 مليون مسلم)، لم تطأها قدم جيش مسلم فاتح قط؟

نعم، قرأت ذلك صحيحًا. صفر جيوش. صفر معارك. صفر فتوحات عسكرية.

ليس هذا فحسب، بل إندونيسيا، ومعها جارتها ماليزيا، وبروناي، وأجزاء كبيرة من الفلبين... كل هذه المنطقة الشاسعة التي تُعرف بـ "أرخبيل الملايو" وتضم مئات الملايين من المسلمين، وصلها الإسلام وانتشر فيها دون سيف واحد قادم من خارج المنطقة لنشر الدين.

جيوش من نوع آخر: التجار والدعاة

كيف حدث ذلك إذن؟ كيف تحولت شعوب بأكملها، كانت تدين بالهندوسية والبوذية ومعتقدات محلية وثنية، إلى الإسلام بهذه الأعداد الهائلة دون غزو عسكري واحد؟

الجواب يكمن في قوة أخرى... قوة أكثر تأثيرًا وديمومة من السيف: قوة النموذج، وقوة الأخلاق.

لقد وصل الإسلام إلى شواطئ جنوب شرق آسيا ليس على ظهور الخيل الحربية، بل على متن سفن التجار المسلمين. تجارٌ قدموا من حضرموت (في اليمن)، ومن سواحل الهند (خاصة غوجارات)، ومن بلاد فارس. جاءوا لا يحملون سيوفًا، بل يحملون بضائعهم: بهارات، وعطور، وأقمشة... ودينهم في قلوبهم وسلوكهم.

ما الذي أدهش السكان المحليين في هؤلاء التجار القادمين؟ لم يكن سلاحهم، بل أمانتهم المطلقة في البيع والشراء. صدقهم العجيب في الحديث والوعد. عدلهم الدقيق في الميزان والمكيال. حسن معاملتهم للجميع، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم. لقد رأوا فيهم نموذجًا حيًا لأخلاق لم يعهدوها بهذا السمو والرقي.

هؤلاء التجار لم يأتوا كدعاة متفرغين بالضرورة، لكن سلوكهم اليومي كان هو الدعوة الأبلغ. لقد طبقوا المبدأ النبوي البسيط والعميق: "الدين المعاملة". فأسرت أخلاقهم قلوب الناس قبل أن تخاطب كلماتهم عقولهم.

ومع مرور الوقت، بدأ هؤلاء التجار يستقرون في المدن الساحلية، وتصاهروا مع السكان المحليين، وشكلوا مجتمعات مسلمة صغيرة. ثم جاء دور الدعاة والعلماء، الذين تعمقوا في فهم الثقافات المحلية وقدموا الإسلام بطريقة حكيمة وجذابة، فدخل الناس في دين الله أفواجًا عن قناعة واختيار.

خريطة انتشار الأخلاق

وهذه القصة المدهشة لم تحدث في جنوب شرق آسيا فقط، بل كانت النمط السائد في انتشار الإسلام في قارات بأكملها:

شرق إفريقيا (الساحل السواحيلي): على طول الساحل من الصومال وكينيا وتنزانيا وموزمبيق (بما في ذلك زنجبار وممباسا)، انتشر الإسلام عبر شبكات التجارة البحرية في المحيط الهندي. التجار العرب (خاصة من عُمان واليمن) والفرس هم من حملوا الإسلام. وتمازجت الثقافات لتولد "الحضارة السواحيلية" الفريدة، التي أصبحت اللغة العربية والدين الإسلامي جزءًا أساسيًا منها، دون جيش واحد.

غرب إفريقيا (ما وراء الصحراء): انتقل الإسلام عبر المسالك القاحلة للصحراء الكبرى، ليس مع جيوش، بل مع تجار القوافل (خاصة البربر والطوارق). ازدهرت ممالك إسلامية عظيمة مثل غانا ومالي وسونغاي، وأصبحت مدن مثل تمبكتو مراكز عالمية للعلم والفقه الإسلامي، وكل ذلك بدأ بشكل سلمي تمامًا عبر التأثير التجاري والثقافي.

آسيا الوسطى والصين: لعب طريق الحرير الأسطوري دورًا حيويًا في نقل الإسلام شرقًا. التجار والدعاة والعلماء هم من حملوا الرسالة، حيث تأسست مجتمعات مسلمة مزدهرة في قلب آسيا وفي الصين نفسها دون فتوحات عسكرية لنشر الدين.

النتيجة: قوة "النموذج" مقابل "القوة الناعمة"

إذًا، ما الذي تثبته هذه الحقائق التاريخية المدهشة؟ إنها تثبت بالدليل القاطع أن "السيف" لم يكن أبدًا هو الأداة لنشر العقيدة الإسلامية بين الشعوب. نعم، استُخدم السيف للدفاع عن الأمة عند العدوان (جهاد الدفع). واستُخدم لتحرير الطريق أمام الدعوة حين أُغلق بالقوة (جهاد الطلب كما رأينا في مصر).

أما العقيدة نفسها، فلم تدخل قلوب مئات الملايين إلا بقوة الإقناع الذاتي، وبجاذبية النموذج الأخلاقي السامي الذي قدمه المسلمون الأوائل للعالم. لقد رأى الناس في الإسلام عدلاً ورحمة وأمانة لم يجدوها في مكان آخر، ففتحوا له قلوبهم طواعية.

وهنا تبرز مقارنة صارخة مع أساليب "نشر النفوذ" الحديثة: في عصرنا، نرى القوى الكبرى تحاول نشر أيديولوجياتها (كالديمقراطية الليبرالية) أو توسيع نفوذها عبر ما يسمى بـ "القوة الناعمة" (Soft Power). لكن هذه القوة غالبًا ما تكون:

مشروطة: مساعدات اقتصادية مقابل تغييرات سياسية.

قسرية ثقافيًا: غزو ثقافي عبر الإعلام والترفيه يهدف لمحو الهويات المحلية (Cultural Imperialism).

عسكرية مُقنّعة: تدخلات عسكرية تُشن تحت شعارات "إنسانية" أو "ديمقراطية"، لكنها تترك وراءها دمارًا وفوضى (كما رأينا في العراق وأفغانستان).

قارن هذه الأساليب - التي غالبًا ما تُقابل بالرفض أو تنتج تغييرات سطحية وهشة - بقوة النموذج الإسلامي الأول: لم يقدم التجار المسلمون رشاوى للحكام ليسلموا.

لم يرسلوا مساعدات مشروطة بتغيير الدين. لم يفرضوا لغتهم، بل انصهروا بسلام مع الثقافات المحلية وهذبوها.

لقد قدموا شيئًا واحدًا: نموذجًا أخلاقيًا حيًا للإسلام. رأى الناس بأعينهم كيف يعيش المسلم، كيف يتعامل، كيف يبيع ويشتري، كيف يفي بوعده... فاختاروا هذا الدين عن قناعة قلبية حقيقية.

والنتيجة؟ إسلامٌ تجذّر في قلوب الملايين وأصبح جزءًا لا يتجزأ من هويتهم لقرون طويلة، لا مجرد قشرة خارجية تزول بزوال المؤثر. إنها شهادة عملية على أن قوة الأخلاق الصادقة أبلغ وأدوم أثرًا من كل أساليب القوة والغلبة التي عرفها التاريخ، قديمه وحديثه.

وهذه الحقيقة (انتشار الإسلام بالأخلاق لا بالسيف) لم تكن غائبة حتى عن الباحثين الغربيين المنصفين. فبالإضافة إلى تأكيدهم على مبدأ {لا إكراه في الدين} ، يقدم المؤرخ الفرنسي هنري دي كاستري حجة منطقية دامغة على ذلك: "ولو كان دين محمد انتشر بالعنف والإجبار، للزم أن يقف سيره بانقضاء فتوحات المسلمين، مع أننا لا نزال نرى القرآن يبسط جناحه في جميع أرجاء المسكونة".

حجة عقلية بسيطة وقوية: لو كان الانتشار مرتبطًا بالقوة العسكرية فقط، لتوقف بانتهاء تلك القوة. استمرار انتشار الإسلام حتى اليوم هو دليل على أن جاذبيته الحقيقية تكمن في قوته الذاتية، لا في قوة السيف.