الرئيسية سقط القناع الفهرس مقدمة الكتاب
مقدمة الكتاب

مقدمة الكتاب

ما كشفته غزة عن زيف الحضارة

وأخلاقيات الحرب المدهشة في الإسلام

الإعلامي مصطفى الشرقاوي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيم

كانت غزة المرآة الأخيرة التي أرغمت العالم على أن يرى وجهه الحقيقي بلا مساحيق. في كل صاروخٍ يسقط على طفلٍ نائم، تتساقط معه ورقة جديدة من أوراق «الحضارة المزعومة». هناك، بين الركام، لم يُدفن الأحياء وحدهم، بل دُفنت الأكاذيب التي غذّت أجيالًا كاملة بخرافة «العالم الحر» و«الضمير الإنساني». ومن قلب هذا الخراب، ووسط هذا الغبار، يولد هذا الكتاب ليقول للعالم بوضوح: سقط القناع.

حين تجتمع كلمتا «الإسلام» و«الحرب» في جملة واحدة، يشرد الذهن مباشرة، لا سيّما عند غير المسلمين، وربما عند بعض أبنائنا أيضًا، بفعل التشويه الإعلامي المستمر لصورة الإسلام.

غالبًا ما تتداعى إلى الأذهان مشاهد قاسية تُختزل فيها الحروب في دماءٍ وسيوفٍ وتعصّب، وهي صورة واقعية من حيث انتشارها، لكنها زائفة من حيث أصلها؛ إذ فرضتها الهيمنة الغربية على الإعلام وسرديات التاريخ.

هذه الصورة المشوّهة ليست وليدة اليوم، بل ضاربة في أعماق التاريخ، غرسها الجهل وسقاها العداء المتعمّد. وقد اعترف المؤرخ الفرنسي هنري دي كاستري –الضابط والمستشرق المهتم بتاريخ شمال أفريقيا– قائلًا:

«جميع أغانينا، حتى التي ظهرت قبل القرن الثاني عشر، صادرة عن فكر واحد كان وراء الحروب الصليبية، وكلها مشحونة بالحقد على المسلمين بسبب الجهل الكامل بدينهم. وقد رسّخت تلك الأناشيد الأكاذيب في العقول، ولا يزال أثرها باقيًا إلى اليوم».

إنها شهادة تكشف أن الكراهية صُنعت عمدًا، وأن ما نشهده اليوم ليس سوى امتداد لإرث طويل من التشويه المقصود.

بل إن بعض المفكرين الغربيين المنصفين ذهبوا أبعد من ذلك، فحلّلوا الدافع النفسي الكامن وراء هذا التشويه المتعمد، معتبرين إياه آلية دفاعية لحضارةٍ شعرت بالدونية أمام التفوق الإسلامي في عصوره الزاهرة. ومن هؤلاء المستشرق المعروف مونتجومري وات الذي قال في كتابه «فضل الإسلام على الحضارة الغربية»: «كان تشويه الأوروبيين لصورة الإسلام ضروريًا لتعويضهم عن إحساسهم بالنقص».

تأمل عمق هذه الشهادة؛ فهي تكشف أن الأمر لم يكن جهلًا عابرًا، بل حاجة نفسية لشيطنة الآخر المتفوّق حضاريًا من أجل ترميم الذات المهزوزة أمام إنجازاته وقيمه.

لكن اسمح لي أن أسألك سؤالًا ربما يهزّ القناعات الراسخة:

ماذا لو كانت الصورة مقلوبة تمامًا؟

ماذا لو اكتشفتَ أن أخلاقيات القتال والتعامل مع الأعداء في شريعتنا تحمل من الرقي والرحمة والضبط ما يجعلك تقف مذهولاً، ثم تُعيد ترتيب كل الأفكار والمعلومات التي تلقّيتها من قبل؟

وهنا يبرز سؤال مؤلم، يولّده الواقع المرّ وتستدعيه مشاهد الدماء المتكرّرة:

ما جدوى أن نتحدث عن جمال الماضي ونحن غارقون في مرارة الحاضر؟

وما نفع الحديث عن أخلاق الفاتحين ونحن اليوم ضحايا مستباحون في كل أرض؟

سؤال مشروع يولد من رحم الألم والإحباط، لكن الإجابة عنه ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة مصيرية لثلاثة أسباب جوهرية:

أولاً: لنُظهر للعالم الوجه الحقيقي للإسلام الذي سعوا لتشويهه ليلًا ونهارًا. فهم لا يكتفون بقتلنا جسديًا، بل يسعون لقتلنا فكريًا عبر طمس تاريخنا وتشويه ديننا ودفن نوره تحت ركام الأكاذيب. هذا الكتاب محاولة لإماطة اللثام عن تلك الحقيقة.

ثانيًا: لندحض الافتراء الأكبر الذي ربط دين الرحمة بالعنف، ولنفضح القاتل الحقيقي الذي يتزيّن بثوب الضحية أو يتقمّص دور الواعظ الأخلاقي.

ثالثًا: لنبين للعالم، بالأدلة القاطعة، من هو المعلّم ومن هو التلميذ في ميدان الأخلاق القتالية، ونؤكد السبق الأخلاقي المدهش لديننا، لا على الماضي فحسب، بل على الحاضر أيضًا.

ونحن إذ نعرض هذا النموذج الإسلامي الفريد، لا ندّعي الكمال لتاريخنا أو لواقعنا. فالمسلمون بشر يصيبون ويخطئون، وقد شهد تاريخهم، ويشهد واقعهم، للأسف، تجاوزات ومظالم تخالف صريح دينهم. لكننا هنا ندافع عن "المبدأ" الإلهي المعصوم، لا عن "التطبيق" البشري القاصر دائمًا. إن عظمة الإسلام تكمن في معياره الأخلاقي السامي الذي يمكن أن يُحتكم إليه دائمًا لتقويم المسار، وهو ما تفتقر إليه المنظومات الوضعية الأخرى.

سقط القناع... فهل ترى النور؟

إن توقيت هذا الكشف أصبح ضرورة مُلحّة، خاصة اليوم... فنحن نرى بأم أعيننا كيف تتهاوى كل الشعارات البراقة لـ "القانون الدولي" و "حقوق الإنسان" وتتحطم على أسوار غزة. لقد سقط القناع، وانكشف أمام العالم كله زيف منظومة أخلاقية كاملة ادّعت التحضُّر طويلًا. لقد فضحهم حاضرهم الملطخ بالدماء، فضلاً عن ماضيهم الأسود. هذا الانهيار المروّع هو الذي يجعل كشف الحقيقة الآن واجبًا إنسانيًا.

وهذا الكتاب، في الحقيقة، ليس محاولة للدفاع المباشر أو التبرير، بل هو دعوة هادئة لرحلة استكشاف مدهشة. سنخوض فيها معًا في نصوص تشريعية وحقائق تاريخية موثقة، قد تصدمك فعلاً، وتُجبرك على التساؤل: كيف غابت هذه العظمة عنّا كل هذا الوقت؟

في هذه الصفحات، لن تجد نفسك أمام تنظير فكري معقّد أو جفاف في الطرح. على العكس تمامًا، ستجد قصصًا نابضة، ومواقف حاسمة، ونصوصًا صافية، لتكتشف بنفسك معنى "أخلاقيات الحرب المدهشة في الإسلام".

ستدرك كيف أن نظامًا أخلاقيًا متكاملاً، نشأ قبل أربعة عشر قرنًا في بيئة صحراوية، وضع مبادئ ربانية لم تستطع البشرية، رغم كل "مواثيق جنيف" الحديثة، أن تصل إليها أو تطبقها بصدق حتى يومنا هذا.

سنكشف معًا عن جوانب قد تبدو خيالية في زمننا:

كيف وصل الأمر إلى حد حماية أطفال ونساء وشيوخ العدو، بل وحتى رهبانه المنعزلين عن شؤون القتال؟

كيف تجلّت الرحمة في النهي الصريح عن قطع الأشجار أو تلويث المياه، حتى في أتون المعركة الحامية؟

كيف تمسك المسلمون بوعودهم وعهودهم المؤلمة مع العدو، لأن "كلمة المسلم أغلى من كل شيء"؟

وكيف تجسّد أعظم عفو في التاريخ في لحظة القوة المطلقة والنصر الساحق؟

أتمنى أن تكون مستعدًا لرحلة ستُزعزع نظرتك المسبقة، ليس لمعلوماتك الدينية فحسب، بل ربما لمفهوم "الحرب" و "الأخلاق" ذاته.

هيا بنا نبدأ اكتشاف ما كان يجب أن نعرفه منذ زمن طويل...

غزة تحت القصف: شهادة على انهيار الأخلاق

وقبل أن نخوض في رحلتنا عبر أخلاقيات الحرب في الإسلام، دعونا نتوقف قليلًا أمام المشهد الذي استدعى هذا الكتاب أصلًا: غزة. ما جرى ويجري هناك ليس مجرد حرب تقليدية، بل شهادة حية مفجعة على حجم الانهيار الأخلاقي والقانوني الذي بلغه عالمنا المعاصر.

منذ أكتوبر 2023، تعرض قطاع غزة المحاصر لعدوان إسرائيلي هو الأعنف والأكثر تدميرًا في تاريخه الحديث. الأرقام وحدها كافية لرسم صورة مرعبة: عشرات الآلاف من الشهداء، أكثر من ثلثيهم من الأطفال والنساء، ومثلهم أو يزيد من الجرحى والمفقودين تحت الأنقاض. لقد تم تدمير أكثر من 70% من المباني السكنية في شمال القطاع، وتحويل مناطق بأكملها إلى ركام غير قابل للسكن.

لكن الأرقام لا تحكي القصة كاملة. لقد شهدنا استهدافًا ممنهجًا لكل مقومات الحياة:

المستشفيات: لم تعد أماكن آمنة للعلاج، بل أصبحت أهدافًا عسكرية. تم قصف واقتحام وتدمير أكبر مستشفيات القطاع (مثل الشفاء، المعمداني "الأهلي"، ناصر، الإندونيسي، كمال عدوان)، وقتل الطواقم الطبية والمرضى والنازحين الذين لجأوا إليها، تحت ذرائع ثبت بطلان الكثير منها لاحقًا بتقارير دولية مستقلة.

المدارس والملاجئ: تم قصف عشرات المدارس التابعة للأونروا وغيرها، والتي كانت تؤوي مئات الآلاف من النازحين الذين أُمروا بترك منازلهم، مما أدى لمجازر مروعة بحق العائلات التي ظنت أنها في مكان آمن.

الطواقم المحمية: تم استهداف وقتل المئات من الأطباء والمسعفين وفرق الدفاع المدني والصحفيين (بشكل يُعد الأعلى في الحروب الحديثة)، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الذي يمنحهم حماية خاصة.

التجويع كسلاح حرب: تم فرض حصار شامل ومُطبق، مُنع فيه دخول الغذاء والماء والدواء والوقود بشكل كافٍ، مما دفع القطاع بأكمله، وخاصة شماله، إلى مجاعة مروعة، وهو ما اعتبرته منظمات دولية ومحكمة العدل الدولية استخدامًا للتجويع كسلاح حرب.

التهجير القسري: تم إجبار أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني على النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه تحت القصف، ثم تم استهدافهم حتى في "المناطق الآمنة" المزعومة، في محاولة واضحة لتفريغ الأرض من سكانها.

الأسرى والإعدامات الميدانية: تواترت الشهادات المروعة والصور عن عمليات اعتقال جماعية مهينة للمدنيين، وعن حالات تعذيب وتنكيل بالأسرى، بل وعن إعدامات ميدانية موثقة.

كل هذه الفظائع، وغيرها الكثير، جرت تحت سمع وبصر العالم، وبدعم سياسي وعسكري غير مشروط من القوى الغربية الكبرى التي طالما قدمت نفسها كـ "حامية للقانون الدولي وحقوق الإنسان". لقد كانت غزة هي الاختبار الحقيقي، الذي كشف أن هذه الشعارات ليست إلا ستارًا هشًا ينهار بسرعة عندما تتعارض المبادئ مع المصالح. والآن، ونحن نحمل هذه الصورة المؤلمة في أذهاننا، دعونا ننطلق لنرى كيف قدم الإسلام بديلاً أخلاقيًا مختلفًا جذريًا قبل 14 قرنًا.