الرئيسية سقط القناع الفهرس الفصل 12
الفصل 12

ممنوع منعاً باتاً: كيف أغلق الإسلام باب التعذيب قبل قرون من "حقوق الإنسان"؟

لقد رأينا كيف أمر الإسلام بإكرام الأسير وإطعامه، بل وإيثاره على النفس. لكن، ماذا عن استخلاص المعلومات منه؟ ماذا عن "التحقيق"؟ ألا تبرر "ضرورات الحرب" أو "الحفاظ على الأمن القومي" استخدام بعض "القسوة" أو "الضغط الشديد" لانتزاع اعترافات قد تنقذ حياة الكثيرين؟ ألا نسمع عن سيناريو "القنبلة الموقوتة" الذي يُستخدم لتبرير التعذيب في "حالات الضرورة القصوى"؟

هذا هو المنطق الذي ساد عبر التاريخ، والذي لا يزال يُستخدم (بشكل صريح أو ضمني) لتبرير التعذيب في عالمنا اليوم. لقد تم ابتكار مسميات ملطفة ومخادعة مثل "تقنيات التحقيق المعززة" (Enhanced Interrogation Techniques) لتمرير ممارسات هي في جوهرها تعذيب وحشي، جسديًا ونفسيًا.

لكن الإسلام، مرة أخرى، وبشكل مدهش وصادم لمقاييس عصره، بل ولعصرنا أيضًا، أغلق هذا الباب إغلاقًا تامًا ومطلقًا.

"إن الله يعذب الذين يعذبون الناس": الوعيد الإلهي القاطع

لا يوجد أي مبرر على الإطلاق في شريعة الإسلام لتعذيب أسير حرب، أو أي إنسان آخر، لا جسديًا ولا نفسيًا. نقطة. انتهى.

القاعدة جاءت عامة وشاملة وقاطعة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يعتبر أساسًا في هذا الباب:«إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا». [صحيح مسلم].

تأمل معي هول هذا الوعيد:

"إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ": العقوبة ليست مجرد إجراء قانوني دنيوي، بل هي عقوبة إلهية مباشرة وشديدة في الآخرة.

"الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ": كلمة "الناس" جاءت عامة وشاملة، تشمل كل إنسان (مسلم، غير مسلم، أسير، سجين، بريء، مذنب). لم تقل "المسلمين" أو "الأبرياء"، بل كل إنسان. والتعذيب هنا يشمل كل أنواع الإيذاء الجسدي والنفسي الذي يهدف لإلحاق الألم والمعاناة والإهانة.

"فِي الدُّنْيَا": أي أن هذا الفعل الدنيوي (تعذيب الناس في الدنيا) هو سبب مباشر لعذاب الله في الآخرة.

هذا الحديث وحده كافٍ ليكون رادعًا داخليًا هائلاً لأي مسلم يفكر مجرد تفكير في إيذاء أسير أو سجين. إنه ليس مجرد "قانون" يمكن التحايل عليه بمذكرات قانونية تبرر "الضرورة" (كما فعلت إدارة بوش في أمريكا). بل هو "وعيد إلهي" مباشر لمن يتجاوز هذا الحد الأحمر.

لماذا هذا الموقف المطلق؟ قدسية الكرامة الإنسانية

لماذا هذا الموقف الحاسم والمطلق الذي لا يقبل استثناء؟ لأن الإسلام يرى الكرامة الإنسانية ليست "منحة" تُعطى وتُسلب حسب الظروف أو المصلحة أو الهوية، بل هي "قيمة فطرية أصيلة" كرم الله بها بني آدم جميعًا، لمجرد كونهم بشرًا:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70].

والتعذيب هو أقصى درجات "الإهانة" لهذه الكرامة التي منحها الله. هو اعتداء ليس فقط على جسد الإنسان، بل على روحه ونفسه وإنسانيته التي كرمها الله. إنه محاولة لـ "سحق" إنسانية الإنسان وتحويله إلى مجرد كتلة من الألم والخوف.

لذلك، لم يفرق الإسلام بين تعذيب العدو وتعذيب الصديق، ولم يسمح بأي استثناءات تحت أي ذريعة:

لا ذريعة "الأمن القومي".

لا ذريعة "الحصول على معلومات حيوية" (حتى لو كانت "قنبلة موقوتة"!).

لا ذريعة "المعاملة بالمثل" (فالإسلام ينهى عن المثلة حتى لو مُثّل بالمسلمين، فكيف بالتعذيب؟).

كل هذه المبررات "الأرضية" تسقط أمام قدسية الكرامة الإنسانية التي أمر الله بصونها.

ولم يقتصر تحريم الإسلام للتعذيب على البعد الأخلاقي والإنساني، بل امتد ليشمل البعد القضائي. فالفقهاء المسلمون أجمعوا على أن 'الاعتراف الصادر تحت الإكراه (التعذيب) باطل ولا يُعتد به شرعًا'. وهذا مبدأ قضائي عظيم يحمي المتهمين (حتى لو كانوا أسرى حرب) من انتزاع اعترافات زائفة تحت وطأة الألم، ويضمن سلامة الإجراءات القضائية. قارن هذا بما يحدث في 'المحاكمات العسكرية' الصورية التي تعتمد على اعترافات منتزعة تحت التعذيب في أماكن مثل غوانتانامو أو السجون الإسرائيلية أو سجون الحكومات العربية التي تحكم بالقوانين الوضعية.

المقارنة الحادة: "تقنيات التحقيق" و "نفاق حقوق الإنسان"

والآن، قارن هذا الموقف الأخلاقي المطلق بما حدث ويحدث في العالم:

تاريخيًا: التعذيب لم يكن مجرد ممارسة شائعة في الحضارات القديمة، بل استمر كأداة "قانونية" معتمدة في أوروبا لقرون طويلة. لقد كانت "محاكم التفتيش" الكنسية (خاصة في إسبانيا) تستخدم أبشع أساليب التعذيب لانتزاع "الاعترافات" من المتهمين بالهرطقة (بمن فيهم المسلمون واليهود الذين أُجبروا على التنصير). وحتى في المحاكم المدنية الأوروبية، كان التعذيب يُستخدم بشكل روتيني كجزء من "الإجراءات القضائية" حتى القرن الثامن عشر تقريبًا! لقد احتاجت أوروبا لثورات وتنوير مزعوم لتتخلى (نظريًا على الأقل) عن ممارسات كانت جزءًا لا يتجزأ من نظامها "العدلي" لقرون.

حديثًا (وهنا الصدمة الأكبر والنفاق الأوضح): رغم أن "اتفاقية مناهضة التعذيب" الدولية (1984) تحظر التعذيب بشكل مطلق ولا تسمح بأي استثناءات تحت أي ظرف (حتى الحرب أو حالة الطوارئ)، ورغم أن معظم دساتير العالم تجرمه... إلا أن الممارسة الواقعية تكشف عن نفاق مروع:

"تقنيات التحقيق المعززة": بعد أحداث 11 سبتمبر، قامت الولايات المتحدة (عبر مذكرات قانونية شهيرة مثل "مذكرات التعذيب" التي صاغها جون يو وغيره) بإعادة تعريف التعذيب بشكل ضيق جدًا للسماح بممارسات وحشية مثل "الإيهام بالغرق" (Waterboarding)، والحرمان الحسي، والإرهاق الشديد، والوضعيات المجهدة، والإذلال الجنسي والديني في معتقلات مثل غوانتانامو و السجون السرية حول العالم (Black Sites). كل ذلك تم تبريره قانونيًا تحت غطاء "الحرب على الإرهاب"!

أبو غريب وغوانتانامو: لم تكن مجرد تجاوزات فردية، بل كشفت عن سياسات ممنهجة أو على الأقل متسامح معها على أعلى المستويات تسمح بانتهاك كرامة الأسرى وتعذيبهم.

السجون الإسرائيلية: شهادات وتقارير لا حصر لها من منظمات حقوقية دولية (مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش) ومنظمات إسرائيلية (مثل بتسيلم) توثق استخدام التعذيب وسوء المعاملة (بما في ذلك ضد الأطفال) بشكل منهجي وروتيني ضد الأسرى الفلسطينيين، وغالبًا ما يفلت مرتكبوها من العقاب بدعم من النظام القضائي.

الاستعانة بمصادر خارجية للتعذيب (Rendition): قيام بعض الدول الغربية (ومنها الولايات المتحدة) بإرسال مشتبه بهم سرًا إلى دول أخرى (مثل مصر وسوريا والأردن) معروفة بممارسة التعذيب للحصول على معلومات منهم، للتحايل على قوانينها المحلية التي تمنع التعذيب! إنه "غسيل أموال التعذيب".

بل إن النفاق يصل إلى حد أن نفس الدول الغربية التي تتغنى بحقوق الإنسان وتدين التعذيب نظريًا، هي نفسها التي تدعم سياسيًا وعسكريًا وماليًا أنظمة ديكتاتورية حليفة لها معروفة بممارستها المنهجية للتعذيب ضد شعوبها ومعارضيها! يتم غض الطرف عن هذه الجرائم طالما أن هذه الأنظمة تخدم المصالح الغربية (الاقتصادية أو الاستراتيجية). فأي مصداقية تبقى لشعارات "حقوق الإنسان" عندما تُستخدم كأداة سياسية انتقائية، تُشهر في وجه الخصوم ويُسكت عنها عند الحلفاء؟

فلسفة "القنبلة الموقوتة": النقاشات الفلسفية والأخلاقية في الغرب التي تحاول إيجاد "مبرر استثنائي" للتعذيب في سيناريوهات افتراضية (مثل وجود قنبلة على وشك الانفجار ولا يمكن معرفة مكانها إلا بتعذيب شخص)، تفتح الباب لتبرير ما لا يمكن تبريره.

إن العالم الحديث، الذي يتغنى بـ "حقوق الإنسان" و "سيادة القانون"، هو نفسه الذي يجد المبررات القانونية والفلسفية للسماح بالتعذيب في "ظروف استثنائية".

أما الإسلام، قبل 14 قرنًا، وبكلمات نبوية بسيطة وحاسمة، أغلق هذا الباب تمامًا وبلا أي استثناء. لقد أعلن أن كرامة الإنسان، حتى لو كان عدوًا أسيرًا، هي خط أحمر إلهي لا يجوز المساس به أبدًا. لا توجد "ضرورة" يمكن أن تبرر إهانة خليقة كرمها الله.

إنها حقيقة مدهشة أخرى تكشف عن عمق البعد الأخلاقي والإنساني في شريعة الإسلام، وسبقها المذهل لكل المواثيق الحديثة ليس فقط في النص، بل وفي الروح والمقصد.