لقد رأينا كيف أمر الإسلام بإكرام الأسير وحرّم تعذيبه تحريمًا مطلقًا. لكن ماذا بعد ذلك؟ هل مصيره هو البقاء في الأسر إلى أجل غير مسمى؟ أو ربما الاسترقاق الدائم كما كان شائعًا في العالم القديم؟
هنا يقدم الإسلام خيارات مدهشة أخرى، تكشف عن نظرته العميقة نحو المستقبل، نحو إعادة التأهيل و إعلاء قيمة العلم، لا مجرد العقاب أو الانتقام. لم يترك الإسلام مصير الأسير معلقًا في فراغ قانوني أو أخلاقي، بل وضع خيارات واضحة ومشروعة لإنهاء حالة الأسر، تتسم بالرحمة والمرونة والحكمة.
خيارات ما بعد الحرب: "المَنّ" أو "الفداء"
القرآن الكريم يلخص هذه الخيارات في آية واحدة محكمة بعد انتهاء القتال ووضع الحرب أوزارها:{...فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا...} [سورة محمد: 4]
لاحظ الخيارين الأساسيين اللذين يُترك تقديرهما لولي الأمر (الحاكم المسلم) بما يحقق المصلحة العليا:
1. "المَنّ" (الإطلاق المجاني): وهو إطلاق سراح الأسير مجانًا، دون أي مقابل مادي أو تبادل.
إنه عفو كريم يُقدم كبادرة حسن نية، أو رأفة بحال الأسير وأهله، أو ترغيبًا له في الإسلام بعد أن رأى حسن المعاملة. وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يطبق هذا الخيار مرارًا، كما حدث مع أسرى غزوة حنين (قبيلة هوازن)، الذين أُطلقوا جميعًا بلا مقابل بعد أن جاء وفد قومهم مسلمًا تائبًا. إنه قمة العفو عند تمام المقدرة.
2. "الفداء" (الإطلاق بمقابل): وهو إطلاق سراح الأسير مقابل فدية. (وهنا تأتي المفاجأة الكبرى التي تكشف عن عبقرية النظرة الإسلامية!)
كلمة "فداء" قد توحي فورًا إما بالمال، أو بتبادل الأسرى (أسير مسلم مقابل أسير عدو). وهما شكلان مشروعان تمامًا للفداء في الإسلام وطُبقا تاريخيًا.
لكن الإسلام فتح الباب أمام شكل من أشكال الفداء لم يخطر على بال أحد في ذلك العصر، بل ويثير الدهشة والإعجاب حتى اليوم!
قصة بدر: عندما أصبح "العلم" هو الفدية!
نعود مرة أخرى إلى أسرى معركة بدر. بعد أن استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه واختار قبول الفدية من الأسرى القادرين (بدلًا من قتلهم كما أشار عمر رضي الله عنه مبدئيًا من باب كسر شوكة قريش)، واجه مشكلة عملية: كثير من أسرى قريش كانوا فقراء لا يملكون المال لدفع الفدية المطلوبة (كانت حوالي 4000 درهم، وهو مبلغ كبير جدًا آنذاك).
فماذا كان الحل؟ هل يُسترقّون لعدم قدرتهم على الدفع؟ هل يُقتلون لعدم الفائدة منهم؟ هنا تجلت عبقرية النبوة ورؤيتها الحضارية الثاقبة.
لقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم قرارًا مدهشًا، يعتبر ثورة في مفهوم "قيمة الإنسان":من كان من الأسرى الفقراء يجيد القراءة والكتابة (وكانت مهارة نادرة جدًا في ذلك الوقت، خاصة في مجتمع أمي كالمجتمع المدني الناشئ)...فإن فداءه وخروجه من الأسر هو أن يُعلّم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة!
توقف وتخيل المشهد بعقلية ذلك الزمان... وبعقلية زماننا أيضًا!
أسير حرب... يتحول إلى مُعلّم!
عدو الأمس... يصبح معلمًا لأبناء خصومه اليوم!
ساحة المعركة... تتحول فجأة إلى فصل دراسي!
الفدية لم تعد مالًا يُدفع... بل علمًا يُنقل!
ماذا يعني هذا القرار المدهش؟
قيمة العلم والمعرفة: إنه يُظهر القيمة العليا التي وضعها الإسلام للعلم والقراءة والكتابة منذ لحظاته الأولى. فك رقبة أسير (وهو عمل عظيم في الإسلام) مقابل تعليم أطفال الأمة! أي تكريم للعلم أكبر من هذا؟
نظرة إنسانية للأسير (رأس المال البشري): لم يُنظر للأسير المتعلم كـ "عدو يجب التخلص منه"، بل كـ "إنسان" يمتلك مهارة (رأس مال بشري) يمكن الاستفادة منها بشكل إيجابي يعود بالنفع على الجميع، بما فيهم الأسير نفسه الذي ينال حريته.
هدف بناء لا هدم: بدلًا من الانتقام أو الإذلال، تم اختيار حل يحول الموقف السلبي (الأسر) إلى فرصة إيجابية (نشر التعليم وبناء العقول).
تأليف القلوب: تخيل أثر هذا الموقف على الأسرى أنفسهم! لقد عوملوا بإنسانية لم يعهدوها، وقُدّرت مهارتهم بدلًا من إهانتهم أو استغلالهم في أعمال شاقة. لا شك أن هذا ترك أثرًا عميقًا في نفوس الكثيرين منهم، وربما كان سببًا في إسلام بعضهم لاحقًا عن قناعة ورضا.
رؤية مستقبلية: لقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ببصيرته الثاقبة أن بناء الدولة الجديدة يحتاج إلى جيل متعلم. واستغل الموقف لبناء هذا المستقبل، حتى من خلال "أعداء الأمس"!
المقارنة الصادمة: غوانتانامو مقابل "فصول بدر"!
قارن هذا بأوضاع الأسرى في أماكن أخرى:
في كثير من الحضارات القديمة، كان مصير الأسير الفقير هو الاسترقاق المؤبد أو القتل بلا رحمة.
وفي العصر الحديث، نرى:
حالات احتجاز لأجل غير مسمى (كما في غوانتانامو) دون محاكمة أو أفق واضح للخروج.
بل ووصل الأمر إلى الإهانة الممنهجة للمعتقدات والمقدسات الدينية للأسرى، خاصة المسلمين منهم، كوسيلة للضغط النفسي والإذلال. لقد تواترت الشهادات من معتقلي غوانتانامو وأبو غريب عن حوادث تدنيس متعمد للمصاحف، أو إجبار المعتقلين على الاستماع لموسيقى صاخبة أثناء أوقات الصلاة، أو إهانتهم بألفاظ نابية تستهدف دينهم ونبيهم. قارن هذا السلوك الهمجي الذي يستهدف "روح" الأسير ومعتقده، بالموقف النبوي الذي رأى في "علم" الأسير قيمة عليا تُفتدى بها حريته! شتان بين من يسعى لتحطيم إنسانية الأسير بكل السبل، وبين من يبحث عن أي بذرة خير فيه ليستثمرها ويرفع من شأنه.
عمليات تبادل أسرى معقدة تخضع لحسابات سياسية بحتة ومساومات طويلة، دون النظر لقيمة الأسير الإنسانية.
نادرًا ما يُنظر للأسير كطاقة بشرية يمكن إعادة تأهيلها أو الاستفادة منها بشكل إيجابي للمجتمع (باستثناء ربما بعض برامج "نزع التطرف" التي غالبًا ما تكون قسرية وسطحية ومعظم ضحاياها من الأبرياء).
لقد قدم الإسلام، من خلال خيارات "المَنّ" و "الفداء" (وخاصة فداء التعليم المدهش)، رؤية متقدمة جدًا لإنهاء حالة الأسر. رؤية تركز على الرحمة، و بناء الجسور، و قيمة الإنسان، و قيمة العلم. وليست مجرد رؤية تركز على الانتقام أو المصلحة المادية البحتة أو الحسابات السياسية الضيقة.
إنها شهادة أخرى على العمق الحضاري والإنساني لهذه الشريعة، التي رأت في "عدو الأمس" المتعلم، "معلمًا" محتملاً لـ "جيل الغد"!