وصلنا.
بعد كلّ هذه الرحلة — من السؤال الأوّل في الليل، إلى خدعة العدم، إلى الأسئلة الثلاثة التي لا يملك الإلحاد جوابًا عنها — وصلنا إلى اللحظة التي نجمع فيها كلّ الخيوط.
البرهان الذي سأعرضه الآن ليس اختراعًا جديدًا. إنّه أقدم برهان عقلي في تاريخ الفكر البشري، وأقواه، وأبسطه. عرفه فلاسفة اليونان، وصاغه المتكلّمون المسلمون، وأعاد صياغته فلاسفة العصر الحديث. ورغم آلاف السنين من المحاولات — لم يستطع أحد نقضه.
يُسمّى: البرهان الكوني (The Cosmological Argument).
وهو يقوم على ثلاث مقدّمات بسيطة:
المقدّمة الأولى: كلّ ما بدأ في الوجود لا بدّ له من سبب.
هل هذه المقدّمة تحتاج إلى إثبات؟ في الحقيقة، هي بديهية من بديهيات العقل. لم يقل عاقل قط إنّ شيئًا يمكن أن يبدأ في الوجود بلا سبب.
إذا سمعتَ انفجارًا في الشارع — فأوّل ما تسأله: "ما السبب؟" لا يخطر ببالك أنّ الانفجار "حدث بلا سبب." إذا وجدتَ سيارة جديدة أمام بيتك — لا تقول: "ظهرت من العدم." بل تسأل: "من وضعها هنا؟"
هذا ليس مبدأً دينيًّا. إنّه مبدأ عقلي يقوم عليه كلّ العلم. لأنّ العلم نفسه مبنيّ على البحث عن أسباب الظواهر. لو كانت الأشياء تحدث بلا أسباب — لانهار العلم كلّه.
المقدّمة الثانية: الكون بدأ في الوجود.
وهذا ما أثبتناه بالأدلة العلمية:
تمدّد الكون يدلّ على أنّه كان في نقطة بداية وهذا الأمر أطلقوا عليه اسم (الانفجار العظيم).
إشعاع الخلفية الكونية يؤكّد وجود لحظة بداية.
القانون الثاني للديناميكا الحرارية يستبعد أن يكون الكون أزليًّا.
الكون بدأ. هذا إجماع علمي.
النتيجة: إذن، الكون له سبب.
هذه النتيجة تتبع المقدّمتَين بالضرورة المنطقية. إذا كان كلّ ما بدأ في الوجود له سبب، والكون بدأ في الوجود — فالكون له سبب.
لكنّ البرهان لا يتوقّف هنا. لأنّ السؤال الطبيعي هو: ما صفات هذا السبب؟
صفات سبب الكون
لنفكّر منطقيًّا:
1. خارج المادة: لأنّ المادة نفسها بدأت مع الكون. فسبب الكون لا يمكن أن يكون مادّيًّا.
2. خارج الزمان: لأنّ الزمان بدأ مع الكون. فسبب الكون لا يقع في الزمان — أي أنّه أزلي، لا بداية له.
3. قادر قدرة هائلة: لأنّه أوجد كونًا فيه كلّ هذه المادة والطاقة والمجرّات والنجوم.
4. مريد — يملك اختيارًا وإرادة: وهذه نقطة بالغة الأهمية. لماذا؟
لأنّ السبب إذا كان "آلية عمياء" — أي سببًا ميكانيكيًّا بلا إرادة — فإنّه كلّما وُجد السبب وُجد المسبَّب. أي أنّ الكون كان يجب أن يوجد منذ الأزل مع وجود سببه. لكنّ الكون بدأ في لحظة محدّدة. وهذا يعني أنّ السبب اختار أن يُوجد الكون في تلك اللحظة بالذات. والاختيار يحتاج إلى إرادة. والإرادة تحتاج إلى وعي.
5. واحد: لأنّ التعدّد يحتاج إلى مميِّز — أي سبب يجعل أحدهما مختلفًا عن الآخر — وهذا يقودنا إلى تسلسل لا نهائي. والأبسط — والأقرب للعقل — أنّ السبب واحد.
لنجمع الصفات:
غير مادّي.
أزلي — لا بداية له.
قادر قدرة مطلقة.
مريد — يملك إرادة واختيارًا.
واعٍ.
واحد.
هل هذه الصفات تذكّرك بشيء؟
هذا هو الله.
ليس إله الخرافات والأساطير. بل الإله الذي يقودك إليه العقل خطوة بخطوة، حين تتّبع الدليل بصدق.
تأمّل: "الحيّ" — الواعي الحيّ بذاته. "القيّوم" — القائم بنفسه المقيم لغيره. "له ما في السماوات وما في الأرض" — مصدر كلّ شيء ومالكه. هذا ليس وصفًا شعريًّا. إنّه وصفٌ دقيق لِما يقودنا إليه المنطق حرفيًّا.