القسم الثالث: الأسئلة التي لا يستطيع الإلحاد الإجابة عنها
ها نحن نعود إليه.
السؤال الذي بدأنا به هذا الكتاب. السؤال الذي طرحه ذلك الرجل فوق السطح وهو يحدّق في النجوم. السؤال الذي لا يشيخ ولا يتقاعد ولا يقبل أن يُدفن:
لماذا يوجد شيءٌ بدلًا من لا شيء؟
في الأقسام السابقة، كشفنا أنّ الادّعاء بأنّ "المادة تظهر من العدم" ادّعاءٌ مبنيّ على خلطٍ في المصطلحات. الفراغ الكمومي ليس عدمًا. والعدم الحقيقي لا يمكن اختباره. والكلمات الكبيرة — العدم، الصدفة، التلقائية — ليست إجابات بل أقنعة.
حسنًا. فلنضع كلّ ذلك جانبًا الآن، ولنواجه السؤال وجهًا لوجه.
الكون موجود. هذا لا خلاف عليه. الكرسي الذي تجلس عليه موجود. الهواء الذي تتنفّسه موجود. النجوم التي تلمع فوقك موجودة. أنت نفسك موجود.
السؤال: لماذا؟
أمام هذا السؤال، هناك ثلاثة احتمالات — لا رابع لها:
الاحتمال الأوّل: الكون أزليّ — كان موجودًا دائمًا بلا بداية.
الاحتمال الثاني: الكون جاء من العدم المطلق — من لا شيء، بلا سبب.
الاحتمال الثالث: الكون مخلوق — أوجده شيءٌ خارجه.
لنفحص كلّ احتمال.
الاحتمال الأوّل: الكون أزليّ؟
هذه فكرة قديمة. لقرون طويلة، ظنّ كثير من الفلاسفة والعلماء أنّ الكون كان موجودًا دائمًا — لا بداية له ولا نهاية. كون أبديّ ساكن لا يتغيّر.
لكنّ القرن العشرين حمل مفاجأة مدوّية.
في عام 1929، اكتشف عالم الفلك إدوين هابل أنّ المجرّات تتباعد عن بعضها. الكون ليس ساكنًا — إنّه يتمدّد. وإذا كان الكون يتمدّد الآن، فهذا يعني أنّه كان أصغر في الماضي. وإذا عُدنا بالزمن إلى الوراء بدرجة كافية، نصل إلى نقطة كان فيها الكون كلّه مضغوطًا في نقطة متناهية الصغر، بالغة الكثافة والحرارة.
تلك اللحظة هي ما يقولون عنها "الانفجار العظيم" (Big Bang).
ونحن لن نناقش هذا المصطلح الآن وليس موضوع النقاش حول دقته لكن الانفجار العظيم لا يعني فقط أنّ المادة بدأت — بل يعني أنّ الزمان والمكان نفسهما بدآ. لم يكن هناك "قبل" الانفجار العظيم — لأنّ "القبل" تحتاج إلى زمن، والزمن نفسه لم يكن موجودًا.
ثم جاء تأكيد آخر. في عام 1965، اكتشف العالمان بنزياس وويلسون إشعاع الخلفية الكونية الميكروي — وهو أشبه بـ"صدى" الانفجار العظيم، حرارة خافتة تملأ الكون في كلّ اتجاه. كان هذا الاكتشاف بمثابة التأكيد الحاسم: الكون له بداية.
وهناك دليل ثالث: القانون الثاني للديناميكا الحرارية. هذا القانون يقول إنّ الطاقة القابلة للاستخدام في أيّ نظام مغلق تتناقص باستمرار. الكون يتّجه نحو حالة "الموت الحراري" — حيث تتوزّع الطاقة بالتساوي ولا يعود ممكنًا أن يحدث أيّ شيء. لو كان الكون أزليًّا — موجودًا منذ الأبد — لكان قد وصل إلى هذه الحالة منذ زمنٍ لا نهائي. لكنّنا ما زلنا نرى نجومًا تتوهّج وكواكب تدور وحياة تنبض. إذن: الكون ليس أزليًّا. الكون له بداية.
الاحتمال الأوّل سقط.
الاحتمال الثاني: الكون جاء من العدم المطلق؟
هذا ما ناقشناه بالتفصيل في القسم السابق. وخلاصته:
العدم المطلق — لا مادة، لا طاقة، لا زمان، لا مكان، لا قوانين — لا يمكن أن يُنتج شيئًا. لأنّ العدم بحكم تعريفه لا يملك صفات ولا قدرات ولا آليات. لا يفعل ولا يؤثّر ولا يُنتج. من لا شيء لا يأتي شيء. هذه بديهية عقلية لم يستطع أحد — في تاريخ الفلسفة والعلم — أن ينقضها.
وقد رأينا أنّ كلّ ما يُقدَّم على أنّه "خلق من العدم" في الفيزياء هو في الحقيقة تحوّلات داخل فراغ فيزيائي موجود — وليس خلقًا من عدم حقيقي.
الاحتمال الثاني سقط.
ما الذي تبقّى؟
إذا كان الكون ليس أزليًّا... وإذا كان لا يمكن أن يأتي من عدم مطلق...
فالاحتمال الوحيد المتبقّي هو:
الكون أوجده شيءٌ خارجه.
شيءٌ ليس مادّيًّا — لأنّ المادة نفسها بدأت مع الكون.
شيءٌ ليس مقيّدًا بالزمان — لأنّ الزمان نفسه بدأ مع الكون.
شيءٌ ليس مقيّدًا بالمكان — لأنّ المكان نفسه بدأ مع الكون.
شيءٌ يملك القدرة على الإيجاد — لأنّه أوجد كونًا بأكمله.
شيءٌ يملك الإرادة والاختيار — لأنّه "قرّر" أن يوجد الكون بدلًا من أن لا يوجد.
سنعود إلى هذه الصفات بالتفصيل في القسم الرابع. لكن لاحظ الآن كيف أنّ المنطق وحده — بدون أيّ نصّ ديني — يقودنا إلى هذه النتيجة.
لكنّ هذا السؤال ليس الوحيد. هناك سؤالان آخران لا يقلّان خطورة. وكلاهما يُعمّق الحُجّة ويشدّ الحبل أكثر.