الرئيسية هناك إله عظيم الفهرس الفصل 10
الفصل 10

الفصل العاشر: السؤال الثالث — لماذا هذا الضبط المذهل؟

إذا كان سؤال "لماذا يوجد شيء؟" يهزّ الأساس، وسؤال "من أين جاءت القوانين؟" يهزّ الجدران — فإنّ هذا السؤال الثالث يهزّ السقف.

هذا السؤال لا يسأل فقط عن وجود القوانين. بل يسأل: لماذا هي بهذه الدقّة المذهلة بالذات؟

اكتشف العلماء في العقود الأخيرة شيئًا مدهشًا: الكون الذي نعيش فيه لا يعمل بأيّ قوانين عشوائية. بل يعمل بثوابت فيزيائية مضبوطة بدقّة لا يتخيّلها عقل. ولو تغيّر أيّ واحد من هذه الثوابت بمقدار ضئيل جدًّا — ضئيل بشكل لا يمكنك تصوّره — لما وُجد كونٌ يصلح للحياة. بل لما وُجدت نجوم أو ذرّات أو أيّ شيء.

دعني أعطيك أمثلة:

قوّة الجاذبية

لو كانت قوّة الجاذبية أقوى بجزء واحد من بين عشرة آلاف مليار مليار مليار مليار (10⁴⁰) — نعم، هذا الرقم — لانهارت النجوم على نفسها قبل أن تتشكّل. ولو كانت أضعف بالمقدار نفسه، لما تجمّعت المادة لتكوّن نجومًا أصلًا.

إطفاء أو إشعال. بهامش لا يُرى.

القوّة النووية القوية

هذه القوّة هي التي تمسك أجزاء نواة الذرّة معًا. لو كانت أقوى بـ 2% فقط، لما تكوّن الهيدروجين — الوقود الأساسي للنجوم. ولو كانت أضعف بـ 5%، لما تكوّنت عناصر أثقل من الهيدروجين — لا كربون، لا أكسجين، لا حياة.

نسبة ضئيلة. والفرق بين كون مليء بالحياة... وكون ميّت فارغ.

الثابت الكوني (الطاقة المظلمة)

هذا هو الرقم الذي يُذهل العقل أكثر من أيّ رقم آخر.

الثابت الكوني — الذي يتحكّم في تسارع تمدّد الكون — مضبوط بدقّة تبلغ جزءًا واحدًا من 10¹²⁰ (واحد وأمامه 120 صفرًا). لو كان أكبر بقليل — لتمزّق الكون قبل أن تتشكّل أيّ مجرّة. ولو كان أصغر بقليل — لانهار الكون على نفسه فورًا.

لنحاول أن نفهم حجم هذا الرقم. تخيّل أنّك في صحراء تمتدّ من هنا إلى أبعد مجرّة يمكن رصدها. وفي مكان ما في هذه الصحراء، هناك حبّة رمل واحدة مطلية باللون الأحمر. وأنت معصوب العينَين. ومطلوب منك أن تنحني وتلتقط تلك الحبّة بالتحديد... من المحاولة الأولى.

هذا هو حجم "الحظّ" المطلوب لتفسير ضبط الثابت الكوني بالصدفة.

هل هذا معقول؟

ليس ثابتًا واحدًا... بل عشرات

والأمر لا يتوقّف عند ثابت واحد. هناك عشرات الثوابت الفيزيائية التي يجب أن تكون كلّها مضبوطة في آنٍ واحد:

نسبة كتلة البروتون إلى الإلكترون.

سرعة الضوء.

ثابت بلانك.

شحنة الإلكترون.

وغيرها الكثير.

كلّها مضبوطة. كلّها متناسقة. كلّها متكاملة. كأنّها سيمفونية كُتبت بعناية مطلقة — لا نشاز فيها ولا خطأ.

رد الإلحاد: "الأكوان المتعدّدة"

يعرف كثير من الملحدين أنّ الضبط الدقيق حجّة ساحقة. لذلك ابتكروا فرضية لمحاولة الهروب:

"ربّما هناك عدد لا نهائي من الأكوان، ونحن صادف أن نعيش في الكون الذي جاءت ثوابته مناسبة للحياة."

هذه فرضية "الأكوان المتعدّدة" (Multiverse).

لنفحصها:

أوّلًا: لا يوجد أيّ دليل تجريبي على وجود أكوان أخرى. صفر. هذه فرضية فلسفية بحتة، ليست نظرية علمية مُثبتة.

ثانيًا: حتى لو افترضنا وجود أكوان كثيرة — فمن أين جاءت تلك الأكوان؟ ومن وضع القوانين التي تولّدها؟ لم نحلّ المشكلة، بل نقلناها خطوة إلى الوراء.

ثالثًا: تأمّل ما يحدث هنا. الملحد يرفض فكرة إله واحد — لأنّه "غير مرئي" و"غير قابل للاختبار" — ثم يقبل فكرة عدد لا نهائي من الأكوان غير المرئية وغير القابلة للاختبار! أليس هذا تناقضًا؟

المشكّك: لكن فكرة الأكوان المتعدّدة ممكنة نظريًّا.
الباحث: وفكرة الإله ممكنة نظريًّا أيضًا. الفرق أنّ الإله تفسير واحد بسيط يفسّر كلّ شيء — الوجود والقوانين والضبط. بينما الأكوان المتعدّدة تفسير معقّد بلا نهاية ولا يفسّر أصل القوانين نفسها. فأيّهما أقرب للعقل: تفسير واحد أنيق... أم تفسير يحتاج إلى عدد لا نهائي من الافتراضات؟
المشكّك: ...
الباحث: في العلم، هناك مبدأ يسمّونه "شفرة أوكام" — وهو أنّ التفسير الأبسط الذي يشرح الظاهرة هو على الأرجح الصحيح. تفسير واحد — خالق واعٍ قادر — أبسط بما لا يُقاس من تريليونات تريليونات الأكوان المفترضة.
{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} — الأنبياء: 30

"أفلا يؤمنون"... بعد كلّ هذه الأدلة، بعد كلّ هذا الضبط المذهل، بعد كلّ هذا الإحكام الذي يتحدّى كلّ فكرة عن الصدفة والعشوائية — ألا يكفي هذا؟

لنجمع الخيوط

ثلاثة أسئلة. ثلاث ضربات.

السؤال الأوّل: لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟ ← الكون ليس أزليًّا، ولا يمكن أن يأتي من عدم. إذن: له مُوجِد.

السؤال الثاني: من أين جاءت القوانين؟ ← القوانين لا تخلق نفسها، ولا تخلق الأشياء. إذن: هناك خالق وضعها.

السؤال الثالث: لماذا هذا الضبط المذهل؟ ← الضبط الدقيق لا يمكن تفسيره بالصدفة ولا بالأكوان المتعدّدة. إذن: هناك قصد وإرادة.

هل بدأت الصورة تتّضح؟ هناك إله عظيم

في القسم القادم، سنجمع هذه الخيوط كلّها، وسنبني البرهان كاملًا، ونواجه أقوى اعتراض يُطرح: "مَن خلق الله؟"

والجواب — كما سترى — أبسط وأقوى ممّا تتخيّل.