هناك شيءٌ غريب في الإنسان.
شيءٌ لا تملكه الحيوانات ولا الآلات ولا أيّ كائن آخر نعرفه في هذا الكون.
الإنسان يسأل عن المعنى.
لا يكتفي بالأكل والشرب والنوم والتكاثر. بل يرفع رأسه ويسأل: لماذا أنا هنا؟ ما الغاية من وجودي؟ هل لحياتي معنى؟
الأسد لا يسأل هذا السؤال. الشجرة لا تسأله. الكمبيوتر لا يسأله. أنت وحدك — الإنسان — تسأله.
لماذا؟
إذا كان الإنسان مجرّد مجموعة ذرّات تجمّعت بالصدفة في كون بلا معنى — فلماذا يشعر بالحاجة إلى المعنى؟ من أين جاء هذا الشعور؟
تأمّل: كلّ شعور فطري في الإنسان يقابله شيءٌ حقيقي في الخارج.
تشعر بالعطش — لأنّ هناك ماءً.
تشعر بالجوع — لأنّ هناك طعامًا.
تشعر بالرغبة في الحبّ — لأنّ هناك من يُحبّ.
فحين تشعر — في أعماقك — بالحاجة إلى معنى أكبر، بالحاجة إلى شيءٍ يتجاوزك، بالحاجة إلى خالق تلجأ إليه... أليس هذا لأنّ هناك خالقًا فعلًا؟
هذا ما يسمّيه العلماء المسلمون: الفطرة.
والفطرة لا تتوقّف عند الشعور بالحاجة إلى الله. بل تمتدّ إلى شيءٍ آخر عجيب:
الوعي الأخلاقي.
من أين جاء إحساسك بالعدل والظلم؟
لماذا تشعر بالغضب حين ترى طفلًا بريئًا يُظلم — حتى لو كان في بلدٍ آخر لا يعرفك ولا تعرفه؟ لماذا تشعر أنّ الكذب خطأ — حتى لو لم يكتشفك أحد؟ لماذا تشعر أنّ قتل الأبرياء جريمة — في كلّ مكان وكلّ زمان؟
إذا كان الكون بلا خالق، بلا غاية، بلا أخلاق مطلقة — فمن أين جاءت هذه "البوصلة" التي بداخلك؟
الملحد يقول: "الأخلاق تطوّرت بالانتخاب الطبيعي لمصلحة بقاء النوع."
لكن هذا لا يفسّر لماذا تشعر بأنّ إنقاذ غريب تمامًا — بل إنقاذ عدوّك أحيانًا — هو "الشيء الصحيح." الانتخاب الطبيعي يهتمّ بالبقاء، لا بالصواب والخطأ. الأخلاق التي نحسّها ليست مجرّد استراتيجية بقاء — إنّها شعور عميق بأنّ هناك حقًّا وباطلًا مطلقَين، مستقلّين عن رغباتنا.
هذا الشعور — هذه البوصلة — هو صدى الفطرة. ليس دليلًا وحيدًا على وجود الله. لكنّه بوصلة تشير إلى الاتجاه الصحيح. بوصلة زُرعت فيك لتقودك — إن أصغيت إليها — نحو الحقيقة.
قد يتجاهل الإنسان هذا الصوت. قد يُغرقه بالضجيج — ضجيج العمل والترفيه واللهو والجدال. لكنّ الصوت لا يختفي. يعود في لحظات الصمت. يعود حين تكون وحيدًا. يعود حين تفقد عزيزًا. يعود حين تنظر في عينَي طفلك لأوّل مرّة. يعود حين تحدّق في سماءٍ صافية وتشعر بشيءٍ لا تستطيع تسميته — شيءٍ أقرب إلى الرهبة منه إلى أيّ شعور آخر.
ذلك الشيء... هو الفطرة وهي تهمس لك:
هناك إله عظيم.