الرئيسية ليلة اليقين الفهرس الفصل 7
الفصل 7

الفصل السابع: الشاي المرّ.. والحقيقة الحلوة

انفض الجمع ببطء، وتلاشى ضجيج الهمسات تدريجياً. كان المصلون يغادرون المسجد وعيونهم تختلس النظر بشفقة وذهول إلى ذلك الشاب الذي انهار فجأة، وجلس عند قاعدة المنبر مطأطأ الرأس، وقد أخفى وجهه بين كفيه. وتركوا له تلك المساحة المقدسة التي يحتاجها للملمة شتات نفسه المبعثرة.

بقي آدم وحيداً في مواجهة صمته، ولم يلبث هذا الصمت أن انكسر. انفجر آدم في بكاءٍ مرير، لم يكن بكاء ندمٍ فحسب، بل كان نشيجاً يخرج من أعمق نقطة في روحه؛ كأنه يغسل بسيل دموعه ثلاث سنوات من الغربة والبرد والعدم. كانت أكتافه تهتز بعنف، وكل شهقة تخرج منه كانت تزيح جبلًا من الركام الذي جثم على صدره منذ ليلة موت والده.

شعر أن هذا البكاء هو أول "صدق" حقيقي يمارسه مع نفسه منذ زمن طويل. بكى ضياعه، وبكى كبرياءه الزائف، وبكى والده الذي طالما اشتاق إليه ورفض أن يزوره.

في تلك اللحظة، لم يعد آدم "المثقف الساخر" أو "المناظر العنيد"، بل عاد "آدم الإنسان".. طفلاً ضائعاً وجد أخيراً طريق العودة إلى البيت، في حضرة ذلك الهدوء الرخامي للمسجد، وتحت نظرات الشيخ التي كانت تحرسه بصمت المصلين الراحلين.

حين فرغ المسجد إلا من قلة قليلة، مال الشيخ على آدم وقال بصوت خفيض دافئ: "الجو بارد هنا يا بني.. هل لك في كوب شاي ساخن في غرفتي؟".

رفع آدم رأسه ببطء، كانت عيناه منتفختين وحمراوين، وشعر بحرج شديد يكاد يبتلع كيانه. نظر إلى هاتفه القابع في جيبه، ذلك الجهاز الذي جاء به مشحوناً بالغل، مستعداً لاقتناص أي زلة ليحولها إلى "تريند" ساخر ويفضح هذا الشيخ أمام آلاف المتابعين.. وها هو الآن يجد نفسه عارياً من كل أسلحته أمام رجلٍ لم يقابله إلا بالود، ولم يواجه وقاحته إلا بالترحاب واللطف الذي يفوق التوقعات.

لقد فتح له الشيخ قلبه قبل أن يفتح له مجال الكلام، وأحاطه بسترٍ أخجل جراءته. وعندما عرض عليه الشيخ الضيافة، شعر آدم بوطأة ذنبه؛ كيف يخطط لطعن من يمد له يده؟ حاول الاعتذار، أراد أن يقول: "أنا لا أستحق"، لكن غصةً في حلقه خنقت صوته وخانته الكلمات، فاكتفى بهز رأسه موافقاً، مستسلماً لهذا الفيض من النبل الذي لم يقرأ عنه في كتب الفلاسفة، بل لمسه في روح هذا العجوز الحكيم.

مشى خلف الشيخ بخطىً متثاقلة، وقد سقطت من عينه هيبة "البطل المستنير" لتقوم مقامها رحمة "العبد العائد".

قاده الشيخ إلى غرفة صغيرة ملحقة بمؤخرة المسجد. كانت غرفة متواضعة للغاية؛ مكتبة خشبية قديمة تئن تحت وطأة المجلدات، سجادة صلاة مفروشة في الزاوية، ومدفأة كهربائية صغيرة تشع ضوءاً برتقالياً مريحاً. رائحة المكان كانت مزيجاً من الورق القديم والنعناع.

أجلسه الشيخ على كرسي خشبي، وبدأ بنفسه يصب الشاي في كوبين زجاجيين صغيرين. راقب آدم حركات الشيخ.. يداه اللتان ترتجفان قليلاً بسبب الكبر، هدوؤه العجيب في سكب الشاي دون أن تسقط قطرة واحدة. كيف لهذا الرجل البسيط أن يمتلك كل هذه القوة؟

وضع الشيخ الكوب أمام آدم، وجلس قبالته، وقال مبتسماً: "اشرب.. سيطرد البرد من عظامك".

أمسك آدم بالكوب الساخن بكلتا يديه، وكأنه يمسك بطوق نجاة. البخار المتصاعد لفح وجهه. أخذ رشفة، كان الشاي مراً وثقيلاً، لكنه استساغه. كان طعماً "حقيقياً" أيقظ حواسه.

بعد صمت قصير، نطق آدم أخيراً، وكان صوته لا يزال يحمل بحة البكاء: "أنا آسف.. لقد جئت بنية سيئة. كنت أريد أن...".

لكن الشيخ قاطعه برفع يده بلطفٍ غامر، وابتسامةٍ هادئة لم تفارق ثغره:

"أعرف يا بني.. أعرف كل ما يدور في صدرك. كنت تريد أن تحطم 'صنم' الخرافة كما كنت تظن، وتنتصر لعقلك الذي ظننته وحيداً في هذا الكون. لكن دعني أخبرك؛ إن نيتك الصادقة في البحث عن الحقيقة -وإن ضللت طريقها- هي التي قادتك إلى هنا الليلة، حتى لو كان غلافها الخارجي هو التحدي والمواجهة."

صمت الشيخ للحظة، ثم أضاف بنبرةٍ تملؤها السكينة: "لا تعتذر، فالله يسوق إلينا الأقدار بطرق مختلفة؛ أحياناً يسوقها في ثوب محنة، وأحياناً في صورة سؤالٍ غاضب، وأحياناً بقدَمِ رجلٍ جاء ليجادل.. المهم ليس كيف جئت، بل المهم هو الوصول. لقد أراد الله لك أن تسمع، وأراد لقلبك أن يستريح، فاجعل من هذه الليلة ميلاداً جديداً، ودع ما وراءك وراءك."

شعر آدم وكأن ثقلاً جبالياً قد انزاح عن كاهله. لم يكن الشيخ يحاكمه على "سوء نيته"، بل كان يحتفل بـ "وصوله"، مما جعل آدم يدرك أن رحمة الله التي يتحدث عنها هذا الرجل أوسع بكثير من ضيق أفكاره التي كان يسجن نفسه فيها.

نظر آدم إلى الأرض وقال بخجل: "أشعر بالضياع يا شيخ. تلك اللحظة.. ذلك الشعور الذي اجتاحني.. كان حقيقياً جداً. لكن الآن، عقلي بدأ يعمل مجدداً. الأسئلة لا تزال موجودة، الشكوك لا تزال تطل برأسها. هل أنا منافق؟ هل كانت لحظة عاطفية عابرة؟".

فقال له الشيخ: "ومن قال لك أن الإيمان ينزل دفعة واحدة كصاعقة؟

صمت آدم للحظة، وشعر أن قلبه الذي كاد يتوقف من شدة التأثر بدأ ينبض بإيقاع جديد. نظر إلى الشيخ "عبد الله" بعيون ملؤها الرجاء وقال بصوت مرتعش: "يا شيخ.. أريد أن أعود، أريد أن أغتسل من كل ما مضى، أريد أن أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.. فهل يقبلني؟"

ابتسم الشيخ ابتسامةً عريضة، وربت على كتفه بقوة وحنان وهو يقول: "بل هو الذي دعاك يا بني، وهو الذي ساقك إلينا لتنطقها. قلها يا آدم.. قلها وأنت تستشعر أن كل حرف منها يهدم ما قبله من خطايا."

أخذ آدم نفساً عميقاً، وأغمض عينيه، ونطق بها بملء جوارحه: "أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمداً رسول الله". شعر حينها بشيء غريب، كأن قيداً غير مرئي قد انكسر من حول صدره، وكأن ثقلاً جبالياً قد انزاح عن أنفاسه.

ضحك الشيخ ضحكة خفيفة، لكنها مليئة بالحكمة، وقال: "مبارك لك ميلادك الجديد يا بني.. لكن استمع إليّ جيداً؛ لا تظن أن الطريق سيكون مفروشاً بالورود من الآن. الإيمان يا آدم 'نبتة'.. تحتاج رياً ورعاية وشمساً ووقتاً. ما حدث لك اليوم هو أن البذرة شقت التربة فقط. الأسئلة ستبقى، والشك سيراودك، والشيطان لن يتركك.. المعركة بدأت الآن، ولم تنتهِ، ولكنك اليوم لم تعد تقاتل وحيداً.. أنت في كنف الله."

ثم قام الشيخ إلى مكتبته، وسحب مصحفاً صغيراً بغلاف أخضر مخملي، ومعه كتاب آخر صغير بعنوان "رحلتي من الشك إلى الإيمان" للدكتور مصطفى محمود. مدهما لآدم قائلاً: "أريدك أن تفتح المصحف الليلة وتقرأ هذا الكتاب.. أريدك فقط بعد أن تذهب إلى بيتك أن تبتعد عن مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد الانتهاء من القراءة تنام. نعم، نم فقط. دع روحك ترتاح من عناء الحرب التي خضتها لسنوات. وغداً.. نبدأ من جديد".

أخذ آدم الكتابين، وشعر بثقلهما اللذيذ في يده. "شكراً لك.." قالها بصدق لم يعهده في نفسه من قبل.

خرج آدم من الغرفة، ثم من المسجد. كانت العاصفة قد هدأت تماماً. توقف المطر، وانقشعت الغيوم قليلاً لتسمح للقمر بأن يطل بخجل. الشارع المبتل كان يعكس أضواء الأعمدة كمرآة سوداء مصقولة. مشى آدم في نفس الطريق الذي قطعه قبل ساعة. المباني هي نفسها، السيارات هي نفسها، لكن "آدم" الذي يمشي الآن ليس هو "آدم" الذي كان يمشي غاضباً. شعر بخفة غريبة في خطواته. ذلك "الثقل" الذي كان يجثم على صدره قد خف وزنه كثيراً.

وصل إلى بنايته، وصعد الدرج. وقف أمام باب شقته، تردد لحظة قبل أن يضع المفتاح في القفل. هو يعلم ما الذي ينتظره في الداخل. فتح الباب. الضوء الأزرق المنبعث من شاشة الحاسوب لا يزال يضيء الغرفة المظلمة. صندوق التعليقات مفتوح، والجدال الإلكتروني مستمر في غيابه. قرأ تعليقاً وصل للتو: "أين هربت يا آدم؟ هل أفحمتهم أم خفت؟".

نظر آدم إلى الشاشة ببرود. لم يشعر بالرغبة في الرد، ولا في السخرية، ولا حتى في الغضب. شعر فقط بـ "الشفقة" على هؤلاء القابعين خلف الشاشات، وعلي نفسه القديمة.

اقترب من المكتب، وضع المصحف والكتاب جانباً بعناية. مد يده إلى زر الطاقة في الشاشة. لم يغلق الصفحة، ولم يسجل الخروج.. بل ضغط الزر بقوة فأظلمت الشاشة تماماً. عم السكون الغرفة. سكون حقيقي هذه المرة.

خلع معطفه المبتل، وارتمى على سريره بملابسه، لكنه لم يطفئ النور كعادته ليهرب من أفكاره. تذكر وصية الشيخ عبد الله.

مد يده إلى الطاولة، وسحب ذلك الكتاب الذي أعطاه إياه الشيخ والمصحف الصغير. بدأ بالقراءة.. في البداية كانت الكلمات تمر على عقله، ثم بدأت تتسلل إلى أعماقه. ظل يقرأ ويقرأ ويقرأ؛ كانت الآيات تتدفق كأنها تخاطبه هو، كأنها كُتبت لتعالج جرحه تحديداً. لم يشعر بالوقت وهو يلتهم السطور، وشعر بشيء غريب يسري في جسده.. سكينة باردة غسلت كل التوتر والاحتراق الذي عاشه لسنوات.

لأول مرة منذ رحيل والده، لم يكن يفكر في "الموت" كحفرة مظلمة، أو في "العدم" كهاوية تبتلعه. وضع المصحف على صدره، وأغمض عينيه، وهمس بصوت خافتٍ متهدج، مجرباً طعم الكلمات الجديدة على لسانه، كلماتٍ لم يقلها منذ زمنٍ طويل:

"اللهم إني أشهد أنك تسمعني وتراني، وتعلم سري وعلانيتي.. عذراً يا رب على كل ليلة قضيتها بعيداً عنك. ها أنا ببابك فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين. خذ بيدي إليك، وأعني على نفسي، فإني قد تهتُ كثيراً.. وآن لي أن أستريح."

ساد الصمت الغرفة، ولم يمر وقت طويل حتى استسلم آدم لنومٍ عميق وهادئ، لم تشبهه أي غفوة من قبل؛ كان نوماً يشبه نوم الطفل الذي بكى طويلاً في حضن أمه حتى جفت دموعه واستكان.

وفي تلك الليلة، نام آدم نوماً عميقاً.. نوماً بلا كوابيس، كطفل عاد إلى حضن أمه بعد ضياع طويل.