شقَّ سكون المكان صوتٌ حاد، مشحونٌ بالتحدي، قادمٌ من الصفوف الخلفية، وكأنه قذيفة سقطت في بحيرة هادئة: "يا شيخ! توقف قليلاً.."
تجمدت الأجساد، وتعلقت الكلمات في الهواء. واصل الصوت ارتفاعه، يملؤه مزيج من الغرور والألم المكبوت: "لدي سؤال قد ينسف كل ما بنيته في هذه الساعة.. وأتحداك أن تجيب عليه!"
التفتت الأعناق جميعاً دفعة واحدة نحو مصدر الصوت. عشرات العيون حدقت في "آدم" الواقف بشموخ مصطنع عند الجدار الخلفي. كان مشهداً سريالياً؛ شاب في مقتبل العمر، يرتدي معطفاً طويلاً مبتلاً، شعره أشعث قليلاً، وفي عينيه بريقُ ذكاءٍ ممزوج بقلقٍ وجودي عميق، يقف وحيداً ضد تيارٍ بشري كامل.
همهم الحضور باستياء، وارتفعت تمتمات غاضبة شقّت خشوع المكان: "ما هذا؟ أين الأدب؟"، "أخرجه يا رجل!". كاد رجلٌ ضخم الجثة، أن ينهض لينهره وربما ليطرده خارجاً بالقوة.
في تلك اللحظة، لم تكن يدا آدم في جيوبه عبثاً؛ بل كانت أصابعه تضغط بحذر على زر تسجيل الصوت في هاتفه، بينما تبرز عدسة الكاميرا الصغيرة من فتحة معطفه العلوي. كان قد أعدّ لكل شيء عدّته؛ يريد توثيق "همجية" المصلين وهم يطردون باحثاً عن الحقيقة، ليغذي بها حساباته الإلكترونية ويفضح "زيف" تسامحهم أمام آلاف المتابعين المنتظرين.
شعر آدم بقلبه يقرع طبول الحرب في صدره، لكنه كان قرعاً ممزوجاً بنشوة الانتصار الوشيك. "ها قد بدأوا.." فكر في نفسه بزهو، وعيناه تلمعان ببريقٍ قناص. "سيظهرون الآن وجههم الحقيقي العنيف، وسأكون أنا الضحية المستنيرة التي سحقتها غوغائيتكم". كان ينتظر الضربة الأولى لتمتلئ شاشة هاتفه بالدليل القاطع، لكنه لم يكن يعلم أن رصاصة "اللطف" التي سيطلقها الشيخ ستكون أشد فتكاً بخطته من أي اشتباكٍ جسدي.
أشار الشيخ بيده إشارة حازمة وصامتة للجميع، ثم قال بصوت مسموع: "دعوه". هدأت العاصفة البشرية وكأن يداً خفية مسحت على رؤوسهم.
ابتسم الشيخ ابتسامةً هادئة، أذابت جليد التوتر الذي ملأ قاعة المسجد، ونظر مباشرة إلى عيني آدم وكأنه يعرفه منذ زمن، وقال: "تفضل يا بني.. اقترب، فالحق لا يخشى السؤال، واليقين لا يهدده الشك. ما الذي يثقل صدرك؟"
ارتبك آدم للحظة. كان قد جهز ردوداً للدفاع عن نفسه ضد الطرد أو الشتائم، لكنه لم يجهز دفاعاً ضد "اللطف". تقدم بخطواتٍ ثابتة، شاقاً صفوف المصلين الذين انزاحوا له يمنة ويسرة، يرمقونه بنظرات متباينة بين الفضول والشفقة. كان يشعر بكل خطوة وكأنها دهر.
وصل إلى مقدمة المسجد، ووقف أمام الجمع، ثم التفت للشيخ. وجد نفسه وجهاً لوجه مع الرجل الذي طالما كرهه عن بعد كلما سمع صوته أثناء الصلوات أو الدروس أو خطب الجمعة. كانت تجاعيد وجه الشيخ تحكي قصة سنوات طويلة من الصبر، لا التكبر.
استجمع آدم قواه، وقال بنبرة ملؤها الغرور، محاولاً استعادة سيطرته على الموقف: "أنتم تبيعون الوهم للناس.. سؤالي بسيط ومحرج: ما هو شعورك أنت وهذا الجمع الغفير إن اكتشفتم بعد الموت أن الآخرة مجرد خرافة؟"
سرت شهقة مكتومة بين الحاضرين، لكن آدم واصل باندفاع، وكأنه يفرغ حملاً ثقيلاً: "لا جنة، لا نار، لا حساب، ولا إله؟ ستكونون قد أضعتم حياتكم في ركوعٍ وسجود وامتناعٍ عن ملذات الدنيا بلا طائل! هل تتخيلون حجم الخسارة؟"
ساد صمتٌ ثقيل، وكأن الطير قد وقف على رؤوس الحاضرين. نظر الشاب إلى وجوههم منتظراً الانتصار، منتظراً أن يرى الخوف في أعينهم. تنهد الشيخ تنهيدةً عميقة، ثم نظر إلى الشاب بعينين تفيضان بالشفقة لا بالغضب، وقال بهدوء الواثق: سؤالك منطقي في ظاهره يا بني، لكن دعني أخبرك سراً قد لا يروق لغرورك؛ إنك لست أول من اخترع هذا السؤال، ولستَ أول من ظنّ أنه عثر على الثغرة التي ستهدم بناء الإيمان.. إن ما طرحته هو رهانٌ قديم ومستهلك، طرحه الفلاسفة قبلك بقرون، وناقشته العقول والقلوب.. ولكن دعنا نحتكم للمنطق الذي تقدسه: إن صحّ ما تقول -على فرضك المحال- واكتشفنا نحن أن الموت هو النهاية، وأننا سنصير تراباً بلا بعث، فما الذي خسرناه حقًا؟
اتسعت عينا آدم قليلاً، واسترسل الشيخ: "لقد عشنا في الدنيا بقلوبٍ مطمئنة، صبرنا على البلاء بالأمل، وتراحمنا فيما بيننا، وابتعدنا عما يؤذي أجسادنا وعقولنا.. عشنا بسلام داخلي لا يعرفه الماديون. سنموت ونستريح كما تستريح أنت.
يا بني، إن صحّ ما تقول -على فرضك المحال- فما هي الخسارة التي تتباكى عليها؟ هل هي تلك الدقائق التي قضيناها في الصلاة؟ لقد كانت لنا "واحة" من السكينة نعتزل فيها ضجيج العالم خمس مرات في اليوم، نغسل فيها أرواحنا من أدران المادة؛ فهل يُسمى هذا خسارة؟
أم تراه الصيام الذي علّمنا كيف نقود شهواتنا بدل أن تقودنا هي، وطهر أجسادنا من التخمة، وربط قلوبنا بآلام الفقراء والمحرومين؟ أم تراها الزكاة التي نزعت من صدورنا داء الشح وباركنا بها في القليل فأصبح في عيوننا كثيراً؟
هل ندمنا على صدقةٍ بذلناها فمسحت دمعة يتيم أو خففت وجع مريض؟ هل ندمنا على وصلِ أرحامنا أو برنا بآبائنا؟ لقد عشنا في دفء الأسرة وحب الأهل حين ترككم (تطوركم) في وحدتكم ووحشتكم في دور المسنين.
لقد ربحنا الحياء والعفة، اللذين حفظا كرامتنا وصانا من أن نكون مجرد أرقامٍ في سوق الشهوات العابرة.
نحن يا بني، حتى لو لم تكن هناك آخرة -وهذا غير صحيح- فقد ربحنا في الدنيا "إنسانيتنا". عشنا بقلوبٍ مطمئنة، صبرنا على البلاء بالأمل، وتراحمنا فيما بيننا، وابتعدنا عما يؤذي أجسادنا وعقولنا.. لقد عشنا حياةً "طيبة" بحد ذاتها، سنموت ونستريح كما تستريح أنت.
ثم نظر الشيخ في عيني آدم بتحدٍ هادئ وقال: "أخبرني أنتَ.. ماذا خسرنا من وجهة نظرك؟"
اندفع آدم بالرد تلقائياً، وبنبرةٍ حاول أن يجعلها حادة: "خسرتم.. خسرتم الكثير! خسرتم..."
توقف فجأة. فتح فمه ليعدد تلك الخسائر، لكن الكلمات تحجرت في حلقه. حاول أن يستدعي جملةً واحدة مقنعة من مئات المنشورات التي كتبها، لكنها بدت في تلك اللحظة تافهة وهشة. نظر إلى الشيخ، ثم إلى المصلين، ثم عاد بنظره إلى الفراغ.
أراد أن يقول "خسرتم متعة الحياة"، فتذكر مرارة وحدته. أراد أن يقول "خسرتم حريتكم"، فتذكر عبوديته لهواه وقلقه وشهواته وقرفه من نفسه. ساد صمتٌ مخجل، وبدا آدم كمن يحاول الإمساك بالدخان؛ يدرك الكلمة لكنه لا يجد لها معنىً واحداً يقف عليه أمام هذا الوقار.
بقي آدم واجماً، يحدق في السجاد تحت قدميه، وقد انكسرت حدة صوته تماماً.
أكمل الشيخ في ذلك السكون المهيب: "لم تجد ما تقوله لأنك تدرك أننا لم نخسر سوى الأوهام.
بهت آدم. شعر وكأن الأرض تميد تحته.
لم يترك الشيخُ آدمَ يلوذ بصمته أو يهرب إلى هواجسه، بل ضغط عليه بنظراته التي اخترقت جدار كبريائه.
"لا تصمت يا بني.. أجبني ولا تكابر! ماذا لو كانت هناك آخرة حقاً؟ ماذا لو انقشع هذا الضباب الذي تسميه (تحرراً) لتجد نفسك وجهاً لوجه أمام الحساب؟"
خيم صمتٌ خانق، ثم تابع الشيخ بنبرة تهز أركان النفس: "أخبرني أنت.. ما هو شعورك إن متَّ، واكتشفتَ فجأة أن ما نقوله هو الحق؟ أن هناك بعثاً، وحساباً، وجنةً وناراً؟ نحن إن أخطأنا -على فرضك المحال- فخسارتنا محدودة ودنيوية، ولن نندم على حياة عشناها بسلام. أما أنت إن أخطأت.. فخسارتك أبدية سرمدية لا نهاية لها.. خسارة لا يمكن تعويضها بدموع الأرض كلها! فأينا المغامر الحقيقي بمصيره؟ أينا المقامر الأحمق الذي يضع وجوده كله على طاولة رهانٍ خاسر؟"
كانت كلمات الشيخ تسقط على رأس آدم كالمطارق، ولم تعد الكاميرا أو الهاتف أو المتابعون يعنون له شيئاً. كان يشعر لأول مرة ببرد الحقيقة يزحف إلى روحه؛ فالرهان لم يعد مجرد جدال فلسفي، بل أصبح مصيراً أبدياً يطرق بابه بقوة.
المنطق الرياضي البسيط حاصره. هو يراهن بكل شيء مقابل لا شيء، وهم يراهنون بالقليل مقابل كل شيء. حاول أن يتدارك نفسه سريعاً، فكبرياؤه يمنعه من الانسحاب الآن. قال مكابراً، وقد بدأ صوته يفقد حدته الأولى: "حتى لو نجوتم من الخسارة الأبدية، ألا ترون أنكم تضيعون متعة الحياة؟ أنتم تقيدون أنفسكم بقيود 'الحلال والحرام'، وتحرمون أنفسكم من لذائذ مطلقة، بينما أنا حر، أفعل ما أشاء وقتما أشاء!"
اعتدل الشيخ في جلسته، ورسم ابتسامة حكيمة وقال: "يا بني، أنت تخلط بين الحرية والفوضى.."