نظر الشيخ إلى آدم نظرة الفاحص الخبير، وقال وهو يشير بيده إشارة توضيحية بسيطة: "تخيل يا بني أنك تقود سيارة فائقة السرعة في طريق سريع.. هل التزامك بقواعد المرور، والوقوف في الإشارة الحمراء، والبقاء في مسارك المحدد هو 'تقييد' لحريتك؟ أم هو 'حماية' لحياتك وحياة الآخرين؟".
صمت آدم للحظة، باحثاً عن ثغرة في المثال، لكن الشيخ لم يمهله وأكمل بحسم: "الدين ليس سجانًا كما صور لك عقلك.. الدين هو 'كتالوج الصانع'. الله الذي خلق هذه النفس البشرية المعقدة، هو الأعلم بما يصلحها وما يفسدها. الكتالوج يخبرك: لا تفعل كذا لأن روحك ستعطب، وافعل كذا لكي تعمل بكفاءة. هل الذي يتبع تعليمات التشغيل يعتبر عبداً للشركة المصنعة؟ أم يعتبر عاقلاً يريد الحفاظ على جهازه؟".
واسترسل الشيخ وعيناه تجولان في وجوه الحاضرين، ثم تستقران بقوة على وجه آدم الشاحب الذي بدت عليه علامات الهزيمة:
"أي متعةٍ فقدناها تقصد؟ وعن أي حرمانٍ تتحدث؟ هل تقصد الخمر التي تذهب العقل وتجعل العزيز ذليلاً يترنح في الطرقات كفاقد الأهلية؟ أم المخدرات التي تحيل الشباب حطاماً يسرقون أقرب الناس إليهم من أجل جرعة وهم؟ أم تقصد الزنا الذي يمزق الأنساب، ويحيل البيوت خراباً، ويجعل أسمى مشاعر الإنسان سلعةً رخيصة تُباع وتُشترى لليلة واحدة ثم تُلقى في سلة الندم؟
هل فقدنا متعة الربا الذي يطحن الفقراء ليقتات على عرقهم الأغنياء، فيمتلئ العالم بالظلم؟ أم القمار الذي يهدم بيوتاً عامرة في لحظة طيش؟ هل تسمي عقوق الوالدين حرية؟ أم ترى في انفلات الأخلاق تحرراً؟
نحن يا بني لم نُحرم من الطيبات، بل حُرّمنا على القبح والدمار. نحن نتمتع بكل ما هو طاهر ونقي، ونتمتع بلذة الحب في سكنه الحلال، وبلذة المال في كسبه الشريف، وننام بضمائر مرتاحة لا يطاردها الندم ولا تنهشها الفضائح. نحن يا بني نعيش السعادة، وأنتم تطاردون اللذة.. والفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا."
شعر آدم بالكلمات تصفعه. تذكر سهراته، والفتيات اللواتي عرفهن، ونظرات الفراغ في أعينهن بعد انتهاء اللذة. تذكر الصداع الذي يفتك برأسه بعد كل سكرة، والشعور بالقرف الذي يلازمه مع كل خطيئة وخداع ومعصية.
قال الشيخ بصوت هادئ عميق: "نحن يا بني لم نُحرم من الطيبات، نحن نتمتع بكل ما هو طاهر ونقي، وننام بضمائر مرتاحة لا يطاردها الندم. أنتم تبحثون عن 'اللذة' وهي لحظية زائلة تعقبها حسرة، ونحن نعيش 'السعادة' وهي سكينة دائمة.. والفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا".
بدأ العرق يتصبب من جبين آدم رغم برودة الجو. شعر أن حصونه الفكرية التي بناها لسنوات بدأت تتصدع. هذا الشيخ لا يتحدث بالنصوص فقط، بل يتحدث عن "الحياة" التي يعيشها آدم ويعرف مرارتها جيداً. لقد كشف الغطاء عن تعاسته المستترة خلف قناع الحرية.
"لا.." صرخ عقل آدم. "لا تستسلم.. بقي لديك السهم الأخير. السهم الذي لا يخطئ. الحجة التي جعلتك تلحد يوم مات أبوك".
بلع ريقه بصعوبة، ونظر للشيخ نظرة الغريق الذي يتمسك بقشة، وألقى بآخر ما في جعبته، وكان صوته هذه المرة أقل حدة، ومختلطاً بألم شخصي دفين: "ولكن.. دعنا من المتعة.. لماذا تفترضون وجود العدالة في الآخرة أصلاً؟ انظر حولك يا شيخ! العالم مليء بالظلم! أطفال يموتون جوعاً، طغاة يعيشون في قصور ويموتون في فرشهم بسلام، ومظلومون يموتون تحت التعذيب في السجون.. أين إلهكم من هذا؟".
ارتجف صوت آدم وهو يكمل، وقد لاح طيف والده أمامه: "الموت هو العدم.. هو الراحة الأبدية من هذا العبث. لا داعي لاختراع يوم آخر لتبرير هذا الفشل الكوني! نحن نموت وينتهي الأمر.. هذه هي الحقيقة القاسية التي تخشون مواجهتها".
هنا، حدث شيء لم يتوقعه آدم. وقف الشيخ. كانت وقفته مهيبة، جعلت آدم يتراجع خطوة للوراء بغير وعي. لم يعد الشيخ جالسًا في موضع الناصح، بل وقف وقفة المدافع عن الحق.
قال الشيخ بصوت جهوري ملأ أركان المسجد: "وهل تظن أن هذا العبث يليق بخالق عظيم صمم هذه الذرة المتناهية الصغر، وهندس هذه المجرة المتناهية الكبر بإتقان مذهل؟!! يا بني، إنك بإنكارك لليوم الآخر تقدم رواية عبثية لا يقبلها العقل السليم!".
ثم قال الشيخ بحدة: "لو كان الموت نهاية كل شيء كما تزعم.. لكان القاتل والمقتول سواء! لكان الظالم الذي عاش في النعيم يظلم الناس، والمظلوم الذي مات مقهوراً تحت التعذيب سواء! كلاهما تراب! من قتل ملايين البشر مصيره مثل من عاش ينقذ الناس! من سرق ونهب الأموال ينام في العدم بجوار من سُرقت أمواله ومات جوعاً! هل هذا منطقي من وجهة نظرك؟ هل يقبل عقلك الذي تفتخر به هذه 'المساواة' الظالمة؟".
صمت آدم مجددًا، وعقله يدور بسرعة جنونية يحاول إيجاد رد. لكن الشيخ لم يتوقف، بل وجه له ضربة قاصمة بمثال فني يناسب جيله: "أين عقلك؟ أخبرني.. هل تقبل أن تشاهد فيلماً سينمائياً مدته ثلاث ساعات، مليئاً بالصراع والأحداث، ثم ينتهي فجأة بانتصار الشرير وقتل البطل، ثم يُسدل الستار وتقول هذه نهاية منطقية مقبولة؟ ستقول فوراً: هذا مخرج فاشل وقصة ناقصة تروج للعبث وانقلاب المفاهيم! فكيف ترضى أن تكون قصة الكون العظيم العجيب ناقصة بهذا الشكل المضحك والمبكي؟".
اقترب الشيخ من آدم حتى صار بينهما ذراع، وهمس بصوت سمعه الجميع في الصمت المطبق، وكأنه يخاطب قلب آدم مباشرة: "يا بني.. لا بد من فصلٍ أخير تكتمل فيه الرواية.. لا بد من يومٍ يقتص فيه للمظلوم، ويُعطى كل ذي حق حقه. وجود الآخرة هو الدليل الوحيد وتفسيرنا الوحيد على أن هذا الكون عادل، وأن للحياة معنى. بدونه، تصبح الحياة غابة موحشة، ويصبح وجودنا نكتة سمجة لا معنى لها.. وأنت، في قرارة نفسك، ترفض أن تكون مجرد نكتة".