بعد مرور أسبوعين على خروج والدته من المستشفى، ذهب آدم لزيارة الشيخ "عبد الله" في بيته. لم تكن زيارة عابرة، بل كان يشعر بحاجة ماسة لطرح سؤال يؤرقه.
كان بيت الشيخ بسيطاً يشبه صاحبه. أثاث قديم لكنه نظيف، وجدران تتزين بلوحات خط عربي لآيات قرآنية، ورائحة بخور هادئة تملأ المكان. جلس آدم أمام الشيخ، وبدا متردداً قبل أن يبوح بما في صدره: "يا شيخ.. أنا خائف".
نظر إليه الشيخ باهتمام: "ومم تخاف يا آدم؟ وقد نجاك الله من تيه الشك ومن فجيعة الفقد؟".
قال آدم بصدق: "أخاف أن تفتر همتي. أخاف أن أكون مثل شعلة القش، تضيء بقوة لحظة الاحتراق ثم تنطفي وتتحول لرماد. أنا الآن أشعر بحلاوة الإيمان لأنني ممرت بأزمات قوية، لكن ماذا لو استقرت حياتي؟ ماذا لو عدت للروتين الممل؟ هل سيعود قلبي للقسوة؟ هل ستهاجمني الشكوك مرة أخرى؟".
ابتسم الشيخ، وصب له كوباً من النعناع الدافئ، وقال بهدوء: "يا بني، هذا الخوف هو 'صمام الأمان'. من لا يخاف النفاق فهو منافق. لكن اعلم أن الإيمان ليس خطاً مستقيماً صاعداً للأبد.. الإيمان يزيد وينقص، كالمد والجزر. المهم ألا يجف البحر".
اعتدل الشيخ في جلسته وأكمل بجدية: "لكي تحمي نفسك من الانتكاسة، تحتاج لثلاثة أمور: وردٌ يومي لا تتركه مهما كنت مشغولاً ولو كان قليلاً، وصحبة صالحة تشد عضدك إذا وهنت، وهدف.. نعم هدف تعيش لأجله".
سأل آدم باستغراب: "هدف؟ أليس هدفي هو العبادة؟".
قال الشيخ: "العبادة هي الوقود، والهدف هو الطريق. الله أعطاك عقلاً ذكياً، ولساناً مفوهاً، وقلماً سيالاً.. هل تظن أنه أعطاك هذه المواهب عبثاً؟ في الماضي سخرتها للهدم، والآن جاء دورك لتسخرها للبناء. الدين ليس أن تنزوي في زاوية المسجد وتبكي فقط.. الدين أن تكون فعالاً في الأرض".
قام الشيخ إلى مكتبته، وأخرج دفتراً سميكاً، جلده فاخر، وقلم حبر أنيقاً، ووضعهما بين يدي آدم. "خذ هذه".
نظر آدم للدفتر بدهشة: "ما هذا؟".
قال الشيخ وعيناه تلمعان ببريق التحدي المحبب: "أريدك أن تكتب. اكتب قصتك. اكتب عن 'ليلة اليقين'. اكتب عن الشبهات التي كانت تعصف بك وكيف وجد قلبك الإجابة عليها. هناك آلاف الشباب التائهين مثلك، لا يحتاجون لفتوى فقهية بقدر ما يحتاجون ليدٍ حانية تفهم ألمهم وتدلهم على الطريق. أنت تعرف لغتهم، وتعرف وجعهم.. فكن أنت طبيبهم".
تحسس آدم غلاف الدفتر. شعر برعشة تسري في أصابعه. الكتابة؟ لطالما كانت الكتابة سلاحه لقتل الحقيقة، فهل يمكن أن تصبح سلاحه لإحيائها؟ تذكر جداله مع "ماجد"، وتذكر آلاف التعليقات الحائرة على الإنترنت. نعم.. هو يملك الخريطة لأنه سار في حقل الألغام وخرج منه حياً.
رفع رأسه للشيخ وقال بصوت يملؤه العزم: "هل تظن أنني أستطيع؟".
ربت الشيخ على يده وقال: "الذي أخرجك من الظلمات إلى النور، قادر على أن يجعل من كلماتك نوراً للآخرين. توكل على الله.. واجعل مدادك الصدق، وستصل كلماتك للقلوب بلا استئذان".
خرج آدم من بيت الشيخ تلك الليلة وهو يحمل الدفتر وكأنه يحمل كنزاً. نظر إلى السماء، لم تكن عاصفة هذه المرة، بل كانت صافية تتلألأ فيها النجوم. شعر أنه لم يعد مجرد "تائب" يبحث عن النجاة لنفسه، بل صار "جندياً" يحمل رسالة. الطريق طويل، وموحش أحياناً.. لكنه الآن يملك القنديل.