❧ الرواية الكاملة ❧

ليلة اليقين

رواية

تأليف: مصطفى الشرقاوي
إهداء

الإهداء

إلى الذين أضاعوا الطريق وهم يظنون أنهم يطاردون الحقيقة..
إلى كل غريقٍ في بحر "العدم"، وكل من ظنّ أن قيد "الحق" سجن، وأن تيه "الشك" حرية؛ ثم أدرك متأخراً أن الطير لا يتحرر بكسر جناحيه، بل بالتحليق نحو الشمس. إلى كل قلبٍ أنهكه الضجيج، فبحث عن السكون.. إلى التائهين في دروب "لماذا".. إلى "آدم" القابع في أعماق كل واحدٍ منا.. الذي ظن أن الحرية في الهروب. إلى قلبك القلق.. لعلّ هذا الحبر يكون شرارة اليقين التي تحرق ركام أوهامك.

تمهيد

مقدمة: ما قبل العاصفة

ثمة ليالٍ في عمر الإنسان لا تُقاس بالساعات والدقائق، إنما تُحسب بوزن ما يتساقط فيها من أوهام، وما ينبت فيها من يقين. ثمة ليالٍ تمر كأنها طيف عابر، وليلةٌ واحدة فقط.. تأتي كزلزال يعيد تشكيل الروح ويمحو خرائط التيه القديمة ليبني فوق أنقاضها حصون اليقين.

هذه حكاية عن تلك الليلة.

لم يكن بطل روايتنا "آدم" شريراً، ولم يكن يبحث عن الخراب. كان، ككثيرين من أبناء جيله، ضحيةً لعصرٍ يمجد الشك ويقدس المادة. عصرٌ جعل من الإنسان إلهاً صغيراً، ومن الكون مجرد آلة صماء عملاقة تدور بلا غاية، تطحن البشر بين تروسها ثم تلقي بهم في حفرة من العدم البارد.

كان يعتقد أن عقله هو مسطرته الوحيدة، وأن ما لا يراه بعينه أو يلمسه بيده هو محض خرافة اخترعها الأولون ليحتموا من وحشة المجهول. لقد هدم معبد الإيمان في قلبه حجراً حجراً، بحثاً عن "الحقيقة المجردة"، لكنه حين وصل إلى القاع، وجد نفسه وحيداً، عارياً، يرتجف من بردٍ لا تدفئه نظريات الفلاسفة، ولا تحميه منه إعجابات المتابعين خلف الشاشات الزرقاء.

في داخله، كانت تدور حربٌ طاحنة. حربٌ صامتة لا يسمع ضجيجها أحد. صراعٌ بين كبرياء العقل الذي يريد أن يُخضع الإله لمنطقه القاصر، وبين أنين الفطرة التي تصرخ في أعماقه: "لابد من معنى.. لابد من ملاذ".

هذه ليست قصة مناظرة فكرية انتصر فيها طرف على آخر بالحجة والبرهان فحسب؛ فالجدال وقود الكراهية، والقلوب لا تُفتح بمطارق المنطق، بل بمفاتيح الرحمة. إنها قصة رحلةٍ قصيرة في مسافتها، طويلة في أثرها.. رحلة من غرفة مظلمة تعج بأشباح الشك، إلى بيتٍ من بيوت الله، وهناك، شاء الله أن يكون لآدم موعدٌ لم يخطط له.

موعدٌ مع السؤال الذي يخشاه الجميع.. ومع الإجابة التي ستغير كل شيء.

فهل أنت مستعد لتشهد ما حدث في ليلة اليقين؟

1
الفصل 1

الفصل الأول: خلف الشاشات الزرقاء

كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً، حيث اقترب وقت صلاة العشاء وهو الوقت الذي يعم فيه الهدوء بعد الضجيج.

في غرفته الضيقة التي تشبه زنزانة اختيارية، كان الشيء الوحيد الذي ينبض بالحياة هو ضوء شاشة الحاسوب الأزرق الباهت، الذي يلقي بظلالٍ شبحية على وجهه الشاحب. كانت الغرفة تعكس فوضى أفكاره؛ كتبٌ ملقاة بإهمال على الأرض عناوينها تصرخ بالتمرد: "وهم الإله"، "جينات الأنانية"، "الصدفة الخلاقة". وبقايا أكواب قهوة سوداء باردة، تجمعت في قاعها ترسباتٌ تشبه مرارة أيامه.

جلس آدم منحنياً أمام الشاشة، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريب، مزيج من الذكاء الحاد والرغبة الجامحة في التحطيم. كانت أصابعه تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة جنونية، وكأنه عازف بيانو يعزف سيمفونية الموت.

أمام عينيه، كان هناك منشور بسيط لصفحة دينية كتب فيه صاحبه: "إذا ضاقت بك الدنيا، فتذكر أن الله قريب، وأنه يسمع نجوى القلوب".

ضحك آدم ضحكة قصيرة ساخرة، هزت سكون الغرفة. "نجوى القلوب؟" همس لنفسه متهكماً. "بل هي تفاعلات كيميائية في الفص الصدغي للمخ يا صديقي المسكين. أنتم تخترعون صديقاً خيالياً لتتحدثوا معه لأنكم عاجزون عن مواجهة الحقيقة".

بدأ يكتب رده المعتاد. لم يكن يكتب بعشوائية، بل كان "قناصاً" للأفكار. يعرف كيف يختار الكلمات التي تلمس الشكوك الدفينة في نفوس القراء. كتب عن العبثية، وعن الشرور في العالم، وعن استحالة وجود "السميع" في كونٍ أصم. كان يصيغ عباراته ببراعة لغوية تجعل السم يبدو في طعم العسل.

ضغط زر "إرسال" بقوة، وكأنه يطلق رصاصة الرحمة.

لم تمر سوى ثوانٍ حتى بدأت الإشعارات تنهال عليه كالمطر. "أحسنت يا أستاذ آدم"، "لقد ألجمتهم"، "عقل مستنير وسط الظلام". شعر آدم بنشوة تسري في عروقه. إنه الدوبامين، مخدره الوحيد. شعر للحظات أنه إله صغير في مملكته الرقمية، يحيي ويميت الأفكار بضغطة زر. لقد انتصر مجدداً.. لقد هزم "الخرافة".

لكن، كما يحدث في كل ليلة.. تلاشت النشوة بسرعة مرعبة.

توقف سيل التعليقات للحظة، وعاد الصمت ليطبق على الغرفة. نظر آدم إلى انعكاس وجهه على الشاشة السوداء في لحظة توقف التحميل. رأى وجهاً متعباً، وعينين غائرتين يحيطهما سواد السهر كل ليلة. سأل نفسه السؤال الذي يهرب منه دائماً: "ثم ماذا؟". لقد أفحمتهم، وسخرت منهم، وأثبت أنهم واهمون.. فهل أصبحت أنت سعيداً الآن؟ هل ملأت هذه الانتصارات الثقب الأسود الذي يتسع في صدرك يوماً بعد يوم؟

أزاح الكرسي للخلف بضجر، ونهض ليفتح النافذة قليلاً. لفحته نسمة هواء شتوية باردة، تحمل رائحة المطر والتراب. كان الشارع بالأسفل غارقاً في الهدوء، إلا من صوت الرياح التي بدأت تعوي معلنة عن ليلة عاصفة. وفي نهاية الشارع، رأى خيالاً لرجل يمشي ببطء، مستنداً على عصاه، متجهاً نحو المسجد الصغير الذي لا تنطفئ أنواره أبداً.

عرفه فوراً. إنه الشيخ "عبد الله". شعر آدم بغصة غريبة وهو يراقبه. ذلك الرجل العجوز الذي يملك يقيناً يحسده عليه الملوك. كيف يمشي بهذا الثبات وسط العاصفة ويذهب للصلاة؟ كيف يملك تلك الابتسامة المطمئنة وهو لا يملك من حطام الدنيا شيئاً؟

"مسكين.." تمتم آدم، محاولاً استدعاء كبريائه مرة أخرى. "إنه ذاهب ليناجي الوهم". لكن صوتاً آخر، صوتاً خافتاً جداً في أعماق آدم، همس له: "أو ربما.. هو ذاهب لمكان يعرفه، وأنت الذي لا تعرف؟".

أغلق النافذة بعنف ليطرد الصوت والبرد معاً. "لا.. لن ينتهي هذا الليل هكذا". قالها آدم وهو ينظر إلى معطفه المعلق خلف الباب. "لقد مللت من قتال الأشباح الإلكترونية. أريد مواجهة حقيقية. أريد أن أرى بريق اليقين في عين ذلك الشيخ ينطفئ أمام منطقي الساحق".

مدّ يده نحو المعطف، لكن إرهاق الليالي السابقة ثقّل جفنيه فجأة. أمسك بالمعطف وجلس على كرسيه ليرتاح قليلاً. أسند رأسه إلى ذراعه على المكتب أمام الشاشة المطفأة. لم تمر سوى لحظات حتى سرقته غفوة لم يخطط لها.

وهناك في تلك المنطقة الضبابية بين اليقظة والعدم، كان الكابوس ينتظره.

وجد نفسه واقفاً في فراغٍ أسود لا نهاية له. لا أرض تحته، ولا سماء فوقه. فقط عتمة مطلقة، وصمتٌ يصم الآذان. ثم سمع صوتاً.. صوتاً يعرفه جيداً. صوت والده ينادي: "آدم..".

التفت مذعوراً، يبحث عن مصدر الصوت. "أبي؟ أبي، أين أنت؟". جاءه الصوت مرة أخرى: "آدم.. أنا هنا..". كان الصوت يأتي من كل مكان ومن لا مكان. ركض آدم في الظلام، يبحث، يصرخ، يتعثر في العدم. ثم رآه. كان والده واقفاً على بُعد خطوات، ظهره له، يرتدي كفنه الأبيض.

صرخ آدم: "أبي!". ومدّ يده ليمسك بكتفه، لكن المسافة بينهما بدت تتمدد كلما اقترب. خطوة للأمام، وعشر خطوات تفصله. ازدادت سرعته، وازداد البُعد. "لماذا لا أصل إليك؟".

التفت الأب ببطء. كان وجهه هادئاً، لكن عينيه ملؤهما حزنٌ عميق. قال بصوتٍ يشبه الهمس: "لأنك اخترت طريقاً لا يوصل إليّ يا بني". سأله آدم بصوت مرتجف: "ماذا تقصد؟ أي طريق؟". أجابه الأب وهو يبدأ بالتلاشي: "الطريق الذي تمشيه الآن.. ينتهي إلى لا شيء. وأنا.. لستُ في اللاشيء".

بدأ الأب يتلاشى، كأنه ضبابٌ تبدده الرياح. صرخ آدم بكل قوته: "لا! انتظر! لا تتركني!". امتدت يده في الفراغ، فلم تمسك إلا الهواء البارد.

ثم استيقظ.

وجد نفسه يلهث، وقلبه يدق بعنف، وعرق بارد يغطي جبينه. نظر حوله. الغرفة. الشاشة. الكتب. كل شيء في مكانه. لكن شيئاً ما تغير في داخله.

سمع طرقاً خفيفاً على الباب، ثم صوت أمه. أمه التي صار يعاملها كغريبة في بيتها، ينهرها كلما مدت له يد العون، ويغلق بابه في وجه دموعها.

"آدم؟ يا ولدي، هل أنت بخير؟"

كانت والدته واقفة عند الباب الموارب تخشى من الدخول كالعادة حتى لا يحرجها مثل كل مرة، وقفت تنتظر وعلى وجهها ذلك القلق الذي لم يفارقها منذ رحيل زوجها. "سمعتك تصرخ في نومك... تنادي".

شعر آدم بضيق في صدره. لم يكن ضيق الكابوس، بل ضيق الخجل الممزوج بالكبرياء. قال بجفاء، وهو يتجنب النظر في عينيها: "لا شيء.. مجرد حلم سخيف. ارجعي لنومك".

ترددت الأم لحظة عند الباب، وكأنها تريد أن تقول شيئاً آخر. لكنها ابتلعت كلماتها كما تعودت منذ سنوات، وتمتمت بصوت خافت: "حسناً يا بني.. سامحك الله". ثم انسحبت بخطواتها المتعبة، وأغلقت الباب خلفها برفق.

ظل آدم جالساً دقائق طويلة، يحدق في الفراغ. صوت والده يتردد في رأسه، وصورة أمه المنكسرة عند الباب تنضم إليه. هز رأسه بقوة: "مجرد كابوس.. مجرد انعكاس لضغط نفسي.

لكنه لم يستطع أن ينسى نظرة والده الحزينة. ولم يستطع أن يطرد السؤال الذي بدأ يقرع باب عقله بإلحاح: ماذا لو كان والدي الآن في مكانٍ ما.. ينتظرني؟

قال لنفسه مجددًا: يبدو أن العقل الباطن يلعب ألعابه. نهض من كرسيه بعنف، كمن يهرب من فكرة تلاحقه. "لا.. سأخرج. سأمشي. سأفعل أي شيء غير الجلوس هنا."

ارتدى معطفه الطويل، ونظر في المرآة نظرة أخيرة، مصلحاً شعره الأشعث. لم يكن يعلم وهو يضع هاتفه في جيبه، أنه يترك خلفه عالمه الافتراضي الآمن، ليخطو نحو المجهول.

وفي تلك اللحظة بالذات، سمع صوت الأذان يتسلل من المسجد القريب. شعر بقوة غريبة تدفعه. ليست قوة إيمان، بل قوة غضب. غضب من ذلك الكابوس، ومن ذلك الشيخ الذي يمشي بيقين نحو المسجد، ومن كل هذا العالم الذي يؤمن بما لا يراه.

"سأذهب إليه.. سأثبت لنفسي أنه واهم. سأجعل يقينه يتزعزع أمام عيني، وعندها سأعرف أن كابوسي كان مجرد هراء."

فتح باب الشقة، وخرج. كانت الليلة مظلمة، لكن الظلام الحقيقي لم يكن في الشارع.. بل كان هناك، يسير معه في صدره.

2
الفصل 2

الفصل الثاني: الغرفة رقم 304

كانت الرياح تعوي في الشوارع الخالية كذئب جريح، تضرب وجه آدم بقسوة وتجبره على طأطأة رأسه وحشر يديه في جيوب معطفه. لم يكن البرد هو ما يؤلمه، بل تلك القشعريرة المألوفة التي تسري في عموده الفقري كلما هبط الشتاء.

إنه نفس البرد.. ونفس الرائحة. رائحة المطر المختلط بالتراب، التي تذكره برائحة "المعقمات" الكيميائية النفاذة في ممرات المستشفى الطويلة والباردة قبل ثلاث سنوات.

لم يكن طيف والده قد فارقه منذ استيقظ من ذلك الكابوس. كان وجهه الحزين يطارده في كل خطوة، وكلماته تدق في رأسه كالمطرقة: "الطريق الذي تمشيه ينتهي إلى لا شيء". لكن آدم كان يعرف كيف يحوّل الألم إلى غضب، والشوق إلى حقد. فبدلاً من أن يركع تحت وطأة الكابوس، استدعى الذكرى التي أقنع بها نفسه أن دعاءه ذهب هباءً، وأنه لا جدوى من الإيمان بالله.

توقف آدم لحظة تحت عمود إنارة يصارع العتمة بضوء متقطع. أغمض عينيه، فوجد نفسه لا يقف في الشارع، بل يقف هناك مجدداً.. أمام غرفة العناية المركزة رقم 304.

عاد به الزمن ثلاث سنوات إلى الوراء.. إلى تلك الليلة.كان آدم وقتها شخصاً آخر تماماً.. شابٌّ بقلبٍ نقي، لا تفوته صلاة، ولسانه رطبٌ بذكر الله. يؤمن أن الدعاء سلاحٌ لا يُردّ، وأن أبواب السماء لا تُغلق في وجه المضطر.

في الداخل، كان والده - الرجل الذي كان سنده وظهره - يذوي ببطء، ينهشه المرض الخبيث بلا رحمة. الأجهزة الطبية تُطلق صفاراتها المنتظمة كنبض الموت البطيء، وأنابيب التنفس تخفي ملامح الرجل الذي كان يملأ البيت ضحكاً وحياة

يتذكر آدم كيف جثا على ركبتيه في زاوية الغرفة، ودموعه تبلل سجادة الصلاة. يتذكر كيف عقد "صفقة" وقال: "يا رب.. أنت القادر على كل شيء. الطب عجز، وأنت لا تعجز. خذ من عمري وأعطه.. خذ من عافيتي واسكبها في جسده. فقط لا تأخذه مني الآن. لست مستعداً لليتم.. لست مستعداً للوحدة".

كان يوقن بالإجابة. كان ينتظر المعجزة. تخيل المشهد ألف مرة: والده يفتح عينيه، يبتسم، ويقول له إنّ الألم قد زال.

لكن.. لم يحدث شيء. استمر الخط البياني على الشاشة في التذبذب بضعف، ثم.. تحول إلى خط مستقيم طويل مصحوب بصفارة حادة، أعلنت نهاية كل شيء.

مات الأب. ومات شيء ما داخل آدم في تلك اللحظة. نظر إلى السقف الأبيض بعينين جافتين من الدموع، مليئتين بالذهول. شعر ببرودة الجليد تسري في عروقه. سأل بصوت لم يسمعه أحد: "لماذا؟ كنت أدعوك بقلب محترق.. فلماذا شعرتُ أن لا أحد يسمعني؟

في تلك الليلة، لم يدفن آدم والده فقط، بل دفن يقينه. خرج من المقبرة وهو يهمس لنفسه: "لا أحد يستمع. نحن نصرخ في وادٍ سحيق، والصدى هو ما نسميه إجابة. إن كان هناك إله، فلماذا لم يُنقذه؟.. وإن لم يكن، فالموت مجرد عملية بيولوجية قاسية. وفي الحالتين، أنا وحدي".

فتح آدم عينيه فجأة على صوت تلاوة الإمام أثناء الصلاة التي شارفت على الانتهاء، عائداً إلى واقع الشارع المظلم. مسح قطرة مطر باردة سقطت على وجنته بعنف، وكأنه يمسح تلك الذكرى. تمتم آدم بصوت مسموع، وكأنه يخاطب شبح نفسه القديم. "كنت ضعيفاً يا آدم، تستجدي النجاة من السماء. لكنك الآن أقوى. لقد تحررت من انتظار الإجابات التي لم تأتِ كما أردتها".

لفّ المعطف حوله بإحكام، واستأنف سيره بخطوات أسرع وأكثر غضباً. صوت حذائه يضرب الأسفلت المبلل بإيقاع عسكري. كانت ذكرى والده هي الوقود الذي ييُذكي نار غضبه. إنه ذاهب إلى المسجد الآن ليس فقط ليحرج الشيخ، بل لينتقم من تلك الليلة.

كان يدرك تماماً النتيجة التي تنتظره؛ هو يعرف أن المسجد ليس قاعة للفلسفة، بل هو "عرين" هؤلاء الذين لا يقبلون التشكيك. ذهب وهو يوطن نفسه على الطرد أو حتى الضرب، بل ربما كان يتمناهما سرّاً ليكون لديه عذرٌ نهائي أمام ضميره ليغلق هذا الملف للأبد.

كان يريد أن يكسر "سلامهم" النفسي لأن قلبه يفتقده، يريد أن يجرهم إلى منطقة "البرد" والشك التي يعيش فيها، لكي لا يظل وحيداً في عذابه. بالنسبة لآدم، لم تكن هذه الرحلة نحو المسجد "بحثاً عن إجابة"، بل كانت صرخة احتجاجٍ يائسة في وجه المسلمين، واصطداماً متعمداً بحائط اليقين ليرى إن كان سينكسر هو.. أم ينكسر الحائط.

يريد أن يصرخ في وجوه المصلين: "أنتم تضيعون وقتكم في مناجاة الغيب! ما من أحد يسمعكم! انقذوا أنفسكم من خيبة الأمل المرة قبل فوات الأوان".

وصل إلى الشارع الذي فيه المسجد. توقف.

نظر إلى المبنى من بعيد. الأنوار تتسرب من نوافذه، "ما الذي أفعله؟"

فكّر في الدخول، ثم في الانسحاب. قدمه اليمنى تريد التقدم، واليسرى تريد الهروب.

تذكر الكابوس. والده يقول: "الطريق الذي تمشيه ينتهي إلى لا شيء."

"لكنني لا أبحث عن شيء!" همس بغضب. "أبحث عن الحقيقة فقط."

ثم سأل نفسه: "وماذا لو كانت الحقيقة هناك؟ خلف ذلك الباب؟"

هزّ رأسه. "لا. سأدخل لأثبت أنها ليست هناك. سأدخل لأُنهي هذا الصراع."

أحكم قبضته على أطراف المعطف، وأكمل المشي نحو المسجد بخطوات أسرع، كأنه يخاف أن يتراجع إن أبطأ.

اقترب من مبنى المسجد. كانت الأنوار الدافئة تتسرب من نوافذه الزجاجية الملونة، وتلقي بظلال ناعمة على الرصيف المبتل. سمع صوت الشيخ عبد الله عبر مكبرات الصوت، سمع صوت الشيخ يُسلّم تسليمتي الصلاة: "السلام عليكم ورحمة الله". ثم همهمات الحاضرين وهم يُردّدون الأذكار. بعد لحظات، علا صوت الشيخ من جديد، رخيماً هادئاً، يفتتح درساً عن الرحمة والابتلاء، وأصوات الحاضرين المتأثرة بكلامه.

غمرته سخرية مريرة. "الرحمة.." همس باحتقار. "سأريكم معنى الرحمة في عالم تحكمه قوانين الغابة".

وضع يده على مقبض الباب الخشبي الضخم للمسجد. كانت برودة المعدن تلسع كفه. أخذ نفساً عميقاً ملأ رئتيه بالهواء البارد، واستعد للمعركة. دفع الباب.. ودخل.

3
الفصل 3

الفصل الثالث: في حضرة السكينة

بمجرد أن انغلق الباب الثقيل خلفه، انقطع صوت عواء الرياح فجأة، وكأن سكيناً خفيًا بترت حبل الضوضاء.

وجد آدم نفسه يغرق في سحابة كثيفة من الدفء. لم يكن دفئاً نابعاً من أجهزة التدفئة فحسب، بل كان دفئاً له رائحة.. رائحة المسك العتيق المختلط بعبق السجاد، تلك الرائحة التي أيقظت في ذاكرته "آدم الطفل" الذي كان يركض هنا قبل أن تلوثه الظنون.

كان المكان يضج بهدوءٍ مهيب، وبأنفاس عشرات الأجساد المتراصة التي لا يبدو أنها تبحث عن مأوى من المطر، بل عن أمانٍ لا تمنحه السقوف.

وقف عند العتبة للحظات، يمسح قطرات المطر عن وجهه، وعيناه تجولان في المكان ببرود القاضي الذي دخل قاعة المحكمة ليدين المتهمين. كان المسجد مكتظاً عن آخره. عشرات الظهور المنحنية، والرؤوس المطأطأة، يجلسون في صفوف منتظمة وكأنهم بنيان مرصوص.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يطأ فيها أرض المسجد منذ ثلاث سنوات كاملة؛ ثلاث سنوات قضاها في بناء جدران من العزلة والعدمية، والآن يشعر وكأنه "جاسوس" في أرضٍ مقدسة.

شعر آدم بالغربة، وبثقل معطفه المبتل الذي بدا وكأنه يحمل أوزار السنين التي قضاها بعيداً. نظر إلى وجوههم المضيئة بالسكينة، فاشتدت قبضته على مفاتيحه في جيبه، محاولاً استعادة درعه الفكري أمام هذا الفيض من السلام الذي بدأ يهدد حصونه.

كاد هذا المشهد وجلال الحنين أن يكسرا قشرة قلبه المتصلبة، ويجذباه للارتماء في أحضان تلك السكينة كطفلٍ غائب، لكنَّ شيطانه انتفض في عروقه، هامساً بكبرياءٍ مسموم ليوقظ فيه نزعة التمرد ويمنعه من السقوط في فخ العاطفة.

استجمع شتات نفسه، ونفض عن نفسه قشعريرة الرهبة، مستحضراً كل ترسانته من النظريات التي تدعي تفسير هلع الإنسان من المجهول.

همس آدم في نفسه، وابتسامة ساخرة تلوح على زاوية فمه. "كيف يرضى الإنسان أن يلغي عقله ويذوب في الجماعة هكذا؟ انظر إليهم، يهربون من برد الواقع إلى دفاية الأوهام".

خلع حذاءه ببطء شديد، ووضعه جانباً دون اهتمام، ثم تقدم بخطوات ثابتة، لا تشبه خطوات الخاشعين، بل خطوات المستكشف الذي يسير في أرض بدائية. اختار زاوية في الصفوف الخلفية، حيث يستند ظهره إلى الجدار، ليكون كاشفاً للمشهد كله، ومستعداً للانقضاض.

كانت الإضاءة خافتة، تسلط نورها الذهبي الهادئ على نقطة الارتكاز في مقدمة المسجد: الكرسي الخشبي المرتفع قليلاً. وهناك، كان يجلس الشيخ "عبد الله".

رآه آدم الآن عن قرب. كان وجه الشيخ يبدو وكأنه منحوت من ضوء. لحيته البيضاء الكثة تنسدل بوقار على صدره، وعيناه.. تلك العينان اللتان طالما أزعجتا آدم بنظرتهما المطمئنة، كانتا تلمعان الآن ببريق يجمع بين هيبة العلم ورقة الأبوة.

كان صوت الشيخ ينساب في أرجاء المسجد هادئاً، رخيماً، لا صراخ فيه ولا وعيد، بل كان أشبه بنهرٍ جارٍ يروي أرضاً عطشى. كان يتحدث عن "وعد الله الحق". أرهف آدم سمعه. ها هو يبدأ.. ها هو يبيع بضاعته.

قال الشيخ بصوت متهدج: "يا أحباب.. إن الدنيا ليست دار مقر، بل هي قنطرة عبور. نحن هنا غرباء، والمسافر لا يلقي عصا الترحال إلا إذا وصل إلى وطنه. والآخرة هي الوطن الحقيقي للروح والجسد. هناك، حيث ينصب الميزان، وتتطاير الصحف، وحيث لا تظلم نفسٌ شيئاً".

بدأ صوت نشيج خافت يرتفع من بعض الزوايا. رأى آدم رجلاً ضخماً بجانبه، يبدو كعامل بناء خشن اليدين، يغطي وجهه ويبكي كطفل صغير. شعر آدم بالغثيان. "تلاعب عاطفي رخيص.." فكر بحنق. "يخيفونهم بالموت، ثم يبيعون لهم تذكرة النجاة الوهمية. إنهم يبكون خوفاً من إله لم يره أحد. يبكون من الخوف لا من الحب".

استمر الشيخ، وكأنه يقرأ أفكار آدم دون أن يراه: "ليس الخوف هو ما يبكينا، بل الشوق.. والخجل. الخجل من مقابلة الكريم ونحن محملون بالتقصير. تخيل لحظة الوقوف بين يديه، حين يسألك عن عمرك، وعن شبابك، وعن قلبك.. ماذا ستقول؟".

هنا، شعر آدم بوخزة حادة في صدره. "شبابك؟". تذكر سنواته الثلاث الماضية، الضائعة في الجدال والعدمية والسهر. هز رأسه بقوة لطرد الفكرة. "لا.. لن تجرني إلى ملعبك العاطفي"، همس في سره وهو يشد قبضته حتى ابيضت مفاصل أصابعه. "أنا هنا للمنطق.. للحقيقة".

بدأ جسده يفرز الأدرينالين. دقات قلبه تتسارع استعداداً للمعركة. كان يراقب الشيخ وهو يصمت لحظة ليلتقط أنفاسه، ويشرب رشفة من الماء. عم الصمت المكان. صمتٌ مهيب، ثقيل، مليء بالترقب. كان الجميع ينتظرون الكلمة التالية من الشيخ. لكن آدم قرر أن الكلمة التالية ستكون له هو.ئ

حانت اللحظة. هذه هي الفرصة التي انتظرها. سيضرب ضربته الآن، في ذروة خشوعهم، ليحدث أكبر صدع ممكن في جدار يقينهم. تنفّس آدم بعمق، جمع كل غضبه، وشكوكه، وألم فقدان أبيه، وكبرياء عقله، ووضعهم في حنجرته.

وفي تلك اللحظة من السكون التام، انطلق صوته.

4
الفصل 4

الفصل الرابع: المقامر

شقَّ سكون المكان صوتٌ حاد، مشحونٌ بالتحدي، قادمٌ من الصفوف الخلفية، وكأنه قذيفة سقطت في بحيرة هادئة: "يا شيخ! توقف قليلاً.."

تجمدت الأجساد، وتعلقت الكلمات في الهواء. واصل الصوت ارتفاعه، يملؤه مزيج من الغرور والألم المكبوت: "لدي سؤال قد ينسف كل ما بنيته في هذه الساعة.. وأتحداك أن تجيب عليه!"

التفتت الأعناق جميعاً دفعة واحدة نحو مصدر الصوت. عشرات العيون حدقت في "آدم" الواقف بشموخ مصطنع عند الجدار الخلفي. كان مشهداً سريالياً؛ شاب في مقتبل العمر، يرتدي معطفاً طويلاً مبتلاً، شعره أشعث قليلاً، وفي عينيه بريقُ ذكاءٍ ممزوج بقلقٍ وجودي عميق، يقف وحيداً ضد تيارٍ بشري كامل.

همهم الحضور باستياء، وارتفعت تمتمات غاضبة شقّت خشوع المكان: "ما هذا؟ أين الأدب؟"، "أخرجه يا رجل!". كاد رجلٌ ضخم الجثة، أن ينهض لينهره وربما ليطرده خارجاً بالقوة.

في تلك اللحظة، لم تكن يدا آدم في جيوبه عبثاً؛ بل كانت أصابعه تضغط بحذر على زر تسجيل الصوت في هاتفه، بينما تبرز عدسة الكاميرا الصغيرة من فتحة معطفه العلوي. كان قد أعدّ لكل شيء عدّته؛ يريد توثيق "همجية" المصلين وهم يطردون باحثاً عن الحقيقة، ليغذي بها حساباته الإلكترونية ويفضح "زيف" تسامحهم أمام آلاف المتابعين المنتظرين.

شعر آدم بقلبه يقرع طبول الحرب في صدره، لكنه كان قرعاً ممزوجاً بنشوة الانتصار الوشيك. "ها قد بدأوا.." فكر في نفسه بزهو، وعيناه تلمعان ببريقٍ قناص. "سيظهرون الآن وجههم الحقيقي العنيف، وسأكون أنا الضحية المستنيرة التي سحقتها غوغائيتكم". كان ينتظر الضربة الأولى لتمتلئ شاشة هاتفه بالدليل القاطع، لكنه لم يكن يعلم أن رصاصة "اللطف" التي سيطلقها الشيخ ستكون أشد فتكاً بخطته من أي اشتباكٍ جسدي.

أشار الشيخ بيده إشارة حازمة وصامتة للجميع، ثم قال بصوت مسموع: "دعوه". هدأت العاصفة البشرية وكأن يداً خفية مسحت على رؤوسهم.

ابتسم الشيخ ابتسامةً هادئة، أذابت جليد التوتر الذي ملأ قاعة المسجد، ونظر مباشرة إلى عيني آدم وكأنه يعرفه منذ زمن، وقال: "تفضل يا بني.. اقترب، فالحق لا يخشى السؤال، واليقين لا يهدده الشك. ما الذي يثقل صدرك؟"

ارتبك آدم للحظة. كان قد جهز ردوداً للدفاع عن نفسه ضد الطرد أو الشتائم، لكنه لم يجهز دفاعاً ضد "اللطف". تقدم بخطواتٍ ثابتة، شاقاً صفوف المصلين الذين انزاحوا له يمنة ويسرة، يرمقونه بنظرات متباينة بين الفضول والشفقة. كان يشعر بكل خطوة وكأنها دهر.

وصل إلى مقدمة المسجد، ووقف أمام الجمع، ثم التفت للشيخ. وجد نفسه وجهاً لوجه مع الرجل الذي طالما كرهه عن بعد كلما سمع صوته أثناء الصلوات أو الدروس أو خطب الجمعة. كانت تجاعيد وجه الشيخ تحكي قصة سنوات طويلة من الصبر، لا التكبر.

استجمع آدم قواه، وقال بنبرة ملؤها الغرور، محاولاً استعادة سيطرته على الموقف: "أنتم تبيعون الوهم للناس.. سؤالي بسيط ومحرج: ما هو شعورك أنت وهذا الجمع الغفير إن اكتشفتم بعد الموت أن الآخرة مجرد خرافة؟"

سرت شهقة مكتومة بين الحاضرين، لكن آدم واصل باندفاع، وكأنه يفرغ حملاً ثقيلاً: "لا جنة، لا نار، لا حساب، ولا إله؟ ستكونون قد أضعتم حياتكم في ركوعٍ وسجود وامتناعٍ عن ملذات الدنيا بلا طائل! هل تتخيلون حجم الخسارة؟"

ساد صمتٌ ثقيل، وكأن الطير قد وقف على رؤوس الحاضرين. نظر الشاب إلى وجوههم منتظراً الانتصار، منتظراً أن يرى الخوف في أعينهم. تنهد الشيخ تنهيدةً عميقة، ثم نظر إلى الشاب بعينين تفيضان بالشفقة لا بالغضب، وقال بهدوء الواثق: سؤالك منطقي في ظاهره يا بني، لكن دعني أخبرك سراً قد لا يروق لغرورك؛ إنك لست أول من اخترع هذا السؤال، ولستَ أول من ظنّ أنه عثر على الثغرة التي ستهدم بناء الإيمان.. إن ما طرحته هو رهانٌ قديم ومستهلك، طرحه الفلاسفة قبلك بقرون، وناقشته العقول والقلوب.. ولكن دعنا نحتكم للمنطق الذي تقدسه: إن صحّ ما تقول -على فرضك المحال- واكتشفنا نحن أن الموت هو النهاية، وأننا سنصير تراباً بلا بعث، فما الذي خسرناه حقًا؟

اتسعت عينا آدم قليلاً، واسترسل الشيخ: "لقد عشنا في الدنيا بقلوبٍ مطمئنة، صبرنا على البلاء بالأمل، وتراحمنا فيما بيننا، وابتعدنا عما يؤذي أجسادنا وعقولنا.. عشنا بسلام داخلي لا يعرفه الماديون. سنموت ونستريح كما تستريح أنت.

يا بني، إن صحّ ما تقول -على فرضك المحال- فما هي الخسارة التي تتباكى عليها؟ هل هي تلك الدقائق التي قضيناها في الصلاة؟ لقد كانت لنا "واحة" من السكينة نعتزل فيها ضجيج العالم خمس مرات في اليوم، نغسل فيها أرواحنا من أدران المادة؛ فهل يُسمى هذا خسارة؟

أم تراه الصيام الذي علّمنا كيف نقود شهواتنا بدل أن تقودنا هي، وطهر أجسادنا من التخمة، وربط قلوبنا بآلام الفقراء والمحرومين؟ أم تراها الزكاة التي نزعت من صدورنا داء الشح وباركنا بها في القليل فأصبح في عيوننا كثيراً؟

هل ندمنا على صدقةٍ بذلناها فمسحت دمعة يتيم أو خففت وجع مريض؟ هل ندمنا على وصلِ أرحامنا أو برنا بآبائنا؟ لقد عشنا في دفء الأسرة وحب الأهل حين ترككم (تطوركم) في وحدتكم ووحشتكم في دور المسنين.

لقد ربحنا الحياء والعفة، اللذين حفظا كرامتنا وصانا من أن نكون مجرد أرقامٍ في سوق الشهوات العابرة.

نحن يا بني، حتى لو لم تكن هناك آخرة -وهذا غير صحيح- فقد ربحنا في الدنيا "إنسانيتنا". عشنا بقلوبٍ مطمئنة، صبرنا على البلاء بالأمل، وتراحمنا فيما بيننا، وابتعدنا عما يؤذي أجسادنا وعقولنا.. لقد عشنا حياةً "طيبة" بحد ذاتها، سنموت ونستريح كما تستريح أنت.

ثم نظر الشيخ في عيني آدم بتحدٍ هادئ وقال: "أخبرني أنتَ.. ماذا خسرنا من وجهة نظرك؟"

اندفع آدم بالرد تلقائياً، وبنبرةٍ حاول أن يجعلها حادة: "خسرتم.. خسرتم الكثير! خسرتم..."

توقف فجأة. فتح فمه ليعدد تلك الخسائر، لكن الكلمات تحجرت في حلقه. حاول أن يستدعي جملةً واحدة مقنعة من مئات المنشورات التي كتبها، لكنها بدت في تلك اللحظة تافهة وهشة. نظر إلى الشيخ، ثم إلى المصلين، ثم عاد بنظره إلى الفراغ.

أراد أن يقول "خسرتم متعة الحياة"، فتذكر مرارة وحدته. أراد أن يقول "خسرتم حريتكم"، فتذكر عبوديته لهواه وقلقه وشهواته وقرفه من نفسه. ساد صمتٌ مخجل، وبدا آدم كمن يحاول الإمساك بالدخان؛ يدرك الكلمة لكنه لا يجد لها معنىً واحداً يقف عليه أمام هذا الوقار.

بقي آدم واجماً، يحدق في السجاد تحت قدميه، وقد انكسرت حدة صوته تماماً.

أكمل الشيخ في ذلك السكون المهيب: "لم تجد ما تقوله لأنك تدرك أننا لم نخسر سوى الأوهام.

بهت آدم. شعر وكأن الأرض تميد تحته.

لم يترك الشيخُ آدمَ يلوذ بصمته أو يهرب إلى هواجسه، بل ضغط عليه بنظراته التي اخترقت جدار كبريائه.

"لا تصمت يا بني.. أجبني ولا تكابر! ماذا لو كانت هناك آخرة حقاً؟ ماذا لو انقشع هذا الضباب الذي تسميه (تحرراً) لتجد نفسك وجهاً لوجه أمام الحساب؟"

خيم صمتٌ خانق، ثم تابع الشيخ بنبرة تهز أركان النفس: "أخبرني أنت.. ما هو شعورك إن متَّ، واكتشفتَ فجأة أن ما نقوله هو الحق؟ أن هناك بعثاً، وحساباً، وجنةً وناراً؟ نحن إن أخطأنا -على فرضك المحال- فخسارتنا محدودة ودنيوية، ولن نندم على حياة عشناها بسلام. أما أنت إن أخطأت.. فخسارتك أبدية سرمدية لا نهاية لها.. خسارة لا يمكن تعويضها بدموع الأرض كلها! فأينا المغامر الحقيقي بمصيره؟ أينا المقامر الأحمق الذي يضع وجوده كله على طاولة رهانٍ خاسر؟"

كانت كلمات الشيخ تسقط على رأس آدم كالمطارق، ولم تعد الكاميرا أو الهاتف أو المتابعون يعنون له شيئاً. كان يشعر لأول مرة ببرد الحقيقة يزحف إلى روحه؛ فالرهان لم يعد مجرد جدال فلسفي، بل أصبح مصيراً أبدياً يطرق بابه بقوة.

المنطق الرياضي البسيط حاصره. هو يراهن بكل شيء مقابل لا شيء، وهم يراهنون بالقليل مقابل كل شيء. حاول أن يتدارك نفسه سريعاً، فكبرياؤه يمنعه من الانسحاب الآن. قال مكابراً، وقد بدأ صوته يفقد حدته الأولى: "حتى لو نجوتم من الخسارة الأبدية، ألا ترون أنكم تضيعون متعة الحياة؟ أنتم تقيدون أنفسكم بقيود 'الحلال والحرام'، وتحرمون أنفسكم من لذائذ مطلقة، بينما أنا حر، أفعل ما أشاء وقتما أشاء!"

اعتدل الشيخ في جلسته، ورسم ابتسامة حكيمة وقال: "يا بني، أنت تخلط بين الحرية والفوضى.."

5
الفصل 5

الفصل الخامس: كتالوج الروح

نظر الشيخ إلى آدم نظرة الفاحص الخبير، وقال وهو يشير بيده إشارة توضيحية بسيطة: "تخيل يا بني أنك تقود سيارة فائقة السرعة في طريق سريع.. هل التزامك بقواعد المرور، والوقوف في الإشارة الحمراء، والبقاء في مسارك المحدد هو 'تقييد' لحريتك؟ أم هو 'حماية' لحياتك وحياة الآخرين؟".

صمت آدم للحظة، باحثاً عن ثغرة في المثال، لكن الشيخ لم يمهله وأكمل بحسم: "الدين ليس سجانًا كما صور لك عقلك.. الدين هو 'كتالوج الصانع'. الله الذي خلق هذه النفس البشرية المعقدة، هو الأعلم بما يصلحها وما يفسدها. الكتالوج يخبرك: لا تفعل كذا لأن روحك ستعطب، وافعل كذا لكي تعمل بكفاءة. هل الذي يتبع تعليمات التشغيل يعتبر عبداً للشركة المصنعة؟ أم يعتبر عاقلاً يريد الحفاظ على جهازه؟".

واسترسل الشيخ وعيناه تجولان في وجوه الحاضرين، ثم تستقران بقوة على وجه آدم الشاحب الذي بدت عليه علامات الهزيمة:

"أي متعةٍ فقدناها تقصد؟ وعن أي حرمانٍ تتحدث؟ هل تقصد الخمر التي تذهب العقل وتجعل العزيز ذليلاً يترنح في الطرقات كفاقد الأهلية؟ أم المخدرات التي تحيل الشباب حطاماً يسرقون أقرب الناس إليهم من أجل جرعة وهم؟ أم تقصد الزنا الذي يمزق الأنساب، ويحيل البيوت خراباً، ويجعل أسمى مشاعر الإنسان سلعةً رخيصة تُباع وتُشترى لليلة واحدة ثم تُلقى في سلة الندم؟

هل فقدنا متعة الربا الذي يطحن الفقراء ليقتات على عرقهم الأغنياء، فيمتلئ العالم بالظلم؟ أم القمار الذي يهدم بيوتاً عامرة في لحظة طيش؟ هل تسمي عقوق الوالدين حرية؟ أم ترى في انفلات الأخلاق تحرراً؟

نحن يا بني لم نُحرم من الطيبات، بل حُرّمنا على القبح والدمار. نحن نتمتع بكل ما هو طاهر ونقي، ونتمتع بلذة الحب في سكنه الحلال، وبلذة المال في كسبه الشريف، وننام بضمائر مرتاحة لا يطاردها الندم ولا تنهشها الفضائح. نحن يا بني نعيش السعادة، وأنتم تطاردون اللذة.. والفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا."

شعر آدم بالكلمات تصفعه. تذكر سهراته، والفتيات اللواتي عرفهن، ونظرات الفراغ في أعينهن بعد انتهاء اللذة. تذكر الصداع الذي يفتك برأسه بعد كل سكرة، والشعور بالقرف الذي يلازمه مع كل خطيئة وخداع ومعصية.

قال الشيخ بصوت هادئ عميق: "نحن يا بني لم نُحرم من الطيبات، نحن نتمتع بكل ما هو طاهر ونقي، وننام بضمائر مرتاحة لا يطاردها الندم. أنتم تبحثون عن 'اللذة' وهي لحظية زائلة تعقبها حسرة، ونحن نعيش 'السعادة' وهي سكينة دائمة.. والفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا".

بدأ العرق يتصبب من جبين آدم رغم برودة الجو. شعر أن حصونه الفكرية التي بناها لسنوات بدأت تتصدع. هذا الشيخ لا يتحدث بالنصوص فقط، بل يتحدث عن "الحياة" التي يعيشها آدم ويعرف مرارتها جيداً. لقد كشف الغطاء عن تعاسته المستترة خلف قناع الحرية.

"لا.." صرخ عقل آدم. "لا تستسلم.. بقي لديك السهم الأخير. السهم الذي لا يخطئ. الحجة التي جعلتك تلحد يوم مات أبوك".

بلع ريقه بصعوبة، ونظر للشيخ نظرة الغريق الذي يتمسك بقشة، وألقى بآخر ما في جعبته، وكان صوته هذه المرة أقل حدة، ومختلطاً بألم شخصي دفين: "ولكن.. دعنا من المتعة.. لماذا تفترضون وجود العدالة في الآخرة أصلاً؟ انظر حولك يا شيخ! العالم مليء بالظلم! أطفال يموتون جوعاً، طغاة يعيشون في قصور ويموتون في فرشهم بسلام، ومظلومون يموتون تحت التعذيب في السجون.. أين إلهكم من هذا؟".

ارتجف صوت آدم وهو يكمل، وقد لاح طيف والده أمامه: "الموت هو العدم.. هو الراحة الأبدية من هذا العبث. لا داعي لاختراع يوم آخر لتبرير هذا الفشل الكوني! نحن نموت وينتهي الأمر.. هذه هي الحقيقة القاسية التي تخشون مواجهتها".

هنا، حدث شيء لم يتوقعه آدم. وقف الشيخ. كانت وقفته مهيبة، جعلت آدم يتراجع خطوة للوراء بغير وعي. لم يعد الشيخ جالسًا في موضع الناصح، بل وقف وقفة المدافع عن الحق.

قال الشيخ بصوت جهوري ملأ أركان المسجد: "وهل تظن أن هذا العبث يليق بخالق عظيم صمم هذه الذرة المتناهية الصغر، وهندس هذه المجرة المتناهية الكبر بإتقان مذهل؟!! يا بني، إنك بإنكارك لليوم الآخر تقدم رواية عبثية لا يقبلها العقل السليم!".

ثم قال الشيخ بحدة: "لو كان الموت نهاية كل شيء كما تزعم.. لكان القاتل والمقتول سواء! لكان الظالم الذي عاش في النعيم يظلم الناس، والمظلوم الذي مات مقهوراً تحت التعذيب سواء! كلاهما تراب! من قتل ملايين البشر مصيره مثل من عاش ينقذ الناس! من سرق ونهب الأموال ينام في العدم بجوار من سُرقت أمواله ومات جوعاً! هل هذا منطقي من وجهة نظرك؟ هل يقبل عقلك الذي تفتخر به هذه 'المساواة' الظالمة؟".

صمت آدم مجددًا، وعقله يدور بسرعة جنونية يحاول إيجاد رد. لكن الشيخ لم يتوقف، بل وجه له ضربة قاصمة بمثال فني يناسب جيله: "أين عقلك؟ أخبرني.. هل تقبل أن تشاهد فيلماً سينمائياً مدته ثلاث ساعات، مليئاً بالصراع والأحداث، ثم ينتهي فجأة بانتصار الشرير وقتل البطل، ثم يُسدل الستار وتقول هذه نهاية منطقية مقبولة؟ ستقول فوراً: هذا مخرج فاشل وقصة ناقصة تروج للعبث وانقلاب المفاهيم! فكيف ترضى أن تكون قصة الكون العظيم العجيب ناقصة بهذا الشكل المضحك والمبكي؟".

اقترب الشيخ من آدم حتى صار بينهما ذراع، وهمس بصوت سمعه الجميع في الصمت المطبق، وكأنه يخاطب قلب آدم مباشرة: "يا بني.. لا بد من فصلٍ أخير تكتمل فيه الرواية.. لا بد من يومٍ يقتص فيه للمظلوم، ويُعطى كل ذي حق حقه. وجود الآخرة هو الدليل الوحيد وتفسيرنا الوحيد على أن هذا الكون عادل، وأن للحياة معنى. بدونه، تصبح الحياة غابة موحشة، ويصبح وجودنا نكتة سمجة لا معنى لها.. وأنت، في قرارة نفسك، ترفض أن تكون مجرد نكتة".

6
الفصل 6

الفصل السادس: دمعة على الحافة

ساد صمتٌ مطبق في القاعة، أعمق وأثقل من أي صمت مضى. لم يكن صمت فراغ، بل صمت امتلاء؛ كأن الملائكة قد نزلت لتسمع ما سيقوله هذا القلب المتمرد. كان الجميع يسمعون صوت أنفاس آدم المتسارعة، التي بدت وكأنها استغاثة غريق يصارع الموج لآخر مرة.

تسمر آدم في مكانه. كلمات الشيخ الأخيرة "رواية ناقصة" و "نكتة سمجة" كانت تدور في رأسه كأصداء جرس ضخم. عادت صورة والده إلى مخيلته، لكن هذه المرة ليست صورة الموت والعدم التي كانت تطارده في كوابيسه. تذكر ذلك الرجل التقي الذي قضى عمره يطرق أبواب الحلال مهما ضاقت، والذي كان يقتطع من لقمته ليطعم مسكيناً، ويقف في ليله مناجياً رباً لم يره يوماً لكنه آمن به بصدق.

تخيل والده الآن يقف في "الفصل الأخير" من الرواية، يبتسم بوقاره المعهود، وقد عُوض عن كل دقيقة ألم، وعن كل زفرة وجع، وعن كل جنيه حلال آثره على مالٍ مشبوه.

"العدالة.." همس آدم في سره، وشعر بقشعريرة تسري في جسده. "هل يعقل أن يذهب صلاحه وصبره وسجوده هباءً؟ هل تنتهي قصة هذا الرجل العظيم تحت التراب كأنه لم يكن؟".

ثم استطرد بمرارةٍ بدأت تتلاشى أمام نور الحقيقة: "بدون الله، أبي مجرد جثة تعفنت وانتهى أثرها، وفعلُه للخير لم يكن سوى وهمٍ لا قيمة له. ومع الله.. أبي الآن في مكان ما، يُكافأ على صدقه ويُجبر على انكساره.. وأنا، لا بد أن ألحق به في ذلك الطريق".

لاحظ الشيخ تلك اللمعة المنكسرة في عيني آدم حين طاف طيف والده بالخاطر، فخفض صوته ليصبح أكثر قرباً من قلبه، وقال برفقٍ شديد:

"يا بني.. أراك تسرعت في إلقاء ثياب إيمانك لمجرد أن الابتلاء مسَّ أعزّ ما تملك. لقد ظننتَ أن الإيمان (عقد مصلحة) يضمن لك بقاء من تحب، ونسيتَ أننا جميعاً ضيوفٌ في هذه الدار، وأن الموت ليس عقاباً، بل هو البوابة الوحيدة للعودة إلى الوطن."

أخذ الشيخ نفساً عميقاً ثم تابع: "أكان جزاء والدك التقي، ذلك الرجل الذي زرع فيك بذرة الخير وحرص على الحلال، أن تنقلب أنت على ربه بمجرد رحيله؟ لقد أخطأتَ في فهم (العدل الإلهي) يا آدم؛ فالله لم يأخذ والدك ليحرمك، بل نقله من دار الفناء إلى دار البقاء. تسرعتَ حين ظننتَ أن الإيمان صفقة تنقضها إذا رفض طلبك، بينما كان هذا الموقف إعداداً لك لتنضج، ولتعلم أن الله يُعبد لأنه الله، لا لأنه يحقق لنا كل ما نشتهي وقتما نشتهي."

صمت الشيخ لحظة ليترك للكلمات مفعولها، ثم همس: "والدك الآن ينتظر منك دعاءً أو صدقة، لا تمرداً وجحوداً. فهل تتركه وحيداً هناك لأنك لم تفهم معنى الابتلاء هنا؟"

فجأة، شعر آدم بضآلة حجمه أمام هذا الكون الفسيح. شعر بسخافة كبريائه. من هو ليحاكم الله؟ من هو ليعطي معنى للكون بعقله المحدود؟ نظر إلى الأرض، وقد اختفى بريق الغرور من عينيه تماماً، وحل محله انكسار الباحث عن الحقيقة الذي وصل أخيراً إلى الباب.

رفع رأسه ببطء، ونظر للشيخ. لم يرَ فيه خصماً هذه المرة، بل رأى يداً ممدودة في الظلام. تمتم آدم بصوت مبحوح، خرج بصعوبة من حنجرة اختنقت بالعبرات: "رواية ناقصة... نعم، ستكون عبثاً لو انتهت هكذا. لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل. فكرة العدالة المطلقة... إنها مخيفة.. ومريحة في آن واحد".

اقترب الشيخ أكثر نحو آدم حتى صار ملاصقاً له. لم يوبخه، لم يقل له "ألم أقل لك؟"، بل وضع يده الدافئة الثقيلة على كتف الشاب المرتجف، وقال برفق الأب: "يا بني، عقلك يرفض العبث، وفطرتك تصرخ طلباً للعدل. هذا الصراع في داخلك ليس وهمًا، بل هو دليل بحد ذاته. إنه دليل على أنك حي، وأن الله يريد لك الهداية.. الباب مفتوح، والله لا يرد قادماً، ولا يغلق باباً في وجه سائل".

لم يتحمل آدم المزيد. ثقل اليد الدافئة على كتفه كان القشة التي قصمت ظهر البعير.. أو بالأحرى، القشة التي قصمت ظهر "الشيطان" بداخله. تهاوت ركبتاه، وجلس على حافة درجات المنبر، غارقاً في دموع صامتة حارة. بكى كما لم يبكِ يوم وفاة والده. كان يبكي قسوة قلبه، ويبكي السنوات التي ضاعت في التيه، ويبكي شوقاً لشيء كان يفتقده دون أن يعرف اسمه.

وفي تلك اللحظة الروحانية، انطلق صوت القارئ الشاب من زاوية المسجد، يتلو آياتٍ لم يخترها عبثاً، بل نزلت كالغيث البارد على القلوب المحترقة:

﷽ قرآن كريم
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}.
✦ ✦ ✦

تردد صدى الآيات في جنبات المسجد، وفي تجاويف روح آدم. {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}.. شعر آدم بالكلمة ترفعه من وحل المادة إلى سماء المعنى. بكى الناس لبكائه، وارتفعت أصوات النشيج. لم يكن بكاء خوفٍ فحسب، بل بكاء من وجد ضالته بعد طول تيه. كانت ليلةً لم يعد فيها الشاب كما دخل، ولم يعد الحاضرون كما كانوا، فقد رأوا بأم أعينهم كيف ينهزم الشك البارد أمام صولة اليقين الدافئة.

مسح آدم وجهه بكفيه، ورفع نظره للشيخ، وقال كلمة واحدة، كانت هي بداية روايته الحقيقية: "دلّني..".

7
الفصل 7

الفصل السابع: الشاي المرّ.. والحقيقة الحلوة

انفض الجمع ببطء، وتلاشى ضجيج الهمسات تدريجياً. كان المصلون يغادرون المسجد وعيونهم تختلس النظر بشفقة وذهول إلى ذلك الشاب الذي انهار فجأة، وجلس عند قاعدة المنبر مطأطأ الرأس، وقد أخفى وجهه بين كفيه. وتركوا له تلك المساحة المقدسة التي يحتاجها للملمة شتات نفسه المبعثرة.

بقي آدم وحيداً في مواجهة صمته، ولم يلبث هذا الصمت أن انكسر. انفجر آدم في بكاءٍ مرير، لم يكن بكاء ندمٍ فحسب، بل كان نشيجاً يخرج من أعمق نقطة في روحه؛ كأنه يغسل بسيل دموعه ثلاث سنوات من الغربة والبرد والعدم. كانت أكتافه تهتز بعنف، وكل شهقة تخرج منه كانت تزيح جبلًا من الركام الذي جثم على صدره منذ ليلة موت والده.

شعر أن هذا البكاء هو أول "صدق" حقيقي يمارسه مع نفسه منذ زمن طويل. بكى ضياعه، وبكى كبرياءه الزائف، وبكى والده الذي طالما اشتاق إليه ورفض أن يزوره.

في تلك اللحظة، لم يعد آدم "المثقف الساخر" أو "المناظر العنيد"، بل عاد "آدم الإنسان".. طفلاً ضائعاً وجد أخيراً طريق العودة إلى البيت، في حضرة ذلك الهدوء الرخامي للمسجد، وتحت نظرات الشيخ التي كانت تحرسه بصمت المصلين الراحلين.

حين فرغ المسجد إلا من قلة قليلة، مال الشيخ على آدم وقال بصوت خفيض دافئ: "الجو بارد هنا يا بني.. هل لك في كوب شاي ساخن في غرفتي؟".

رفع آدم رأسه ببطء، كانت عيناه منتفختين وحمراوين، وشعر بحرج شديد يكاد يبتلع كيانه. نظر إلى هاتفه القابع في جيبه، ذلك الجهاز الذي جاء به مشحوناً بالغل، مستعداً لاقتناص أي زلة ليحولها إلى "تريند" ساخر ويفضح هذا الشيخ أمام آلاف المتابعين.. وها هو الآن يجد نفسه عارياً من كل أسلحته أمام رجلٍ لم يقابله إلا بالود، ولم يواجه وقاحته إلا بالترحاب واللطف الذي يفوق التوقعات.

لقد فتح له الشيخ قلبه قبل أن يفتح له مجال الكلام، وأحاطه بسترٍ أخجل جراءته. وعندما عرض عليه الشيخ الضيافة، شعر آدم بوطأة ذنبه؛ كيف يخطط لطعن من يمد له يده؟ حاول الاعتذار، أراد أن يقول: "أنا لا أستحق"، لكن غصةً في حلقه خنقت صوته وخانته الكلمات، فاكتفى بهز رأسه موافقاً، مستسلماً لهذا الفيض من النبل الذي لم يقرأ عنه في كتب الفلاسفة، بل لمسه في روح هذا العجوز الحكيم.

مشى خلف الشيخ بخطىً متثاقلة، وقد سقطت من عينه هيبة "البطل المستنير" لتقوم مقامها رحمة "العبد العائد".

قاده الشيخ إلى غرفة صغيرة ملحقة بمؤخرة المسجد. كانت غرفة متواضعة للغاية؛ مكتبة خشبية قديمة تئن تحت وطأة المجلدات، سجادة صلاة مفروشة في الزاوية، ومدفأة كهربائية صغيرة تشع ضوءاً برتقالياً مريحاً. رائحة المكان كانت مزيجاً من الورق القديم والنعناع.

أجلسه الشيخ على كرسي خشبي، وبدأ بنفسه يصب الشاي في كوبين زجاجيين صغيرين. راقب آدم حركات الشيخ.. يداه اللتان ترتجفان قليلاً بسبب الكبر، هدوؤه العجيب في سكب الشاي دون أن تسقط قطرة واحدة. كيف لهذا الرجل البسيط أن يمتلك كل هذه القوة؟

وضع الشيخ الكوب أمام آدم، وجلس قبالته، وقال مبتسماً: "اشرب.. سيطرد البرد من عظامك".

أمسك آدم بالكوب الساخن بكلتا يديه، وكأنه يمسك بطوق نجاة. البخار المتصاعد لفح وجهه. أخذ رشفة، كان الشاي مراً وثقيلاً، لكنه استساغه. كان طعماً "حقيقياً" أيقظ حواسه.

بعد صمت قصير، نطق آدم أخيراً، وكان صوته لا يزال يحمل بحة البكاء: "أنا آسف.. لقد جئت بنية سيئة. كنت أريد أن...".

لكن الشيخ قاطعه برفع يده بلطفٍ غامر، وابتسامةٍ هادئة لم تفارق ثغره:

"أعرف يا بني.. أعرف كل ما يدور في صدرك. كنت تريد أن تحطم 'صنم' الخرافة كما كنت تظن، وتنتصر لعقلك الذي ظننته وحيداً في هذا الكون. لكن دعني أخبرك؛ إن نيتك الصادقة في البحث عن الحقيقة -وإن ضللت طريقها- هي التي قادتك إلى هنا الليلة، حتى لو كان غلافها الخارجي هو التحدي والمواجهة."

صمت الشيخ للحظة، ثم أضاف بنبرةٍ تملؤها السكينة: "لا تعتذر، فالله يسوق إلينا الأقدار بطرق مختلفة؛ أحياناً يسوقها في ثوب محنة، وأحياناً في صورة سؤالٍ غاضب، وأحياناً بقدَمِ رجلٍ جاء ليجادل.. المهم ليس كيف جئت، بل المهم هو الوصول. لقد أراد الله لك أن تسمع، وأراد لقلبك أن يستريح، فاجعل من هذه الليلة ميلاداً جديداً، ودع ما وراءك وراءك."

شعر آدم وكأن ثقلاً جبالياً قد انزاح عن كاهله. لم يكن الشيخ يحاكمه على "سوء نيته"، بل كان يحتفل بـ "وصوله"، مما جعل آدم يدرك أن رحمة الله التي يتحدث عنها هذا الرجل أوسع بكثير من ضيق أفكاره التي كان يسجن نفسه فيها.

نظر آدم إلى الأرض وقال بخجل: "أشعر بالضياع يا شيخ. تلك اللحظة.. ذلك الشعور الذي اجتاحني.. كان حقيقياً جداً. لكن الآن، عقلي بدأ يعمل مجدداً. الأسئلة لا تزال موجودة، الشكوك لا تزال تطل برأسها. هل أنا منافق؟ هل كانت لحظة عاطفية عابرة؟".

فقال له الشيخ: "ومن قال لك أن الإيمان ينزل دفعة واحدة كصاعقة؟

صمت آدم للحظة، وشعر أن قلبه الذي كاد يتوقف من شدة التأثر بدأ ينبض بإيقاع جديد. نظر إلى الشيخ "عبد الله" بعيون ملؤها الرجاء وقال بصوت مرتعش: "يا شيخ.. أريد أن أعود، أريد أن أغتسل من كل ما مضى، أريد أن أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.. فهل يقبلني؟"

ابتسم الشيخ ابتسامةً عريضة، وربت على كتفه بقوة وحنان وهو يقول: "بل هو الذي دعاك يا بني، وهو الذي ساقك إلينا لتنطقها. قلها يا آدم.. قلها وأنت تستشعر أن كل حرف منها يهدم ما قبله من خطايا."

أخذ آدم نفساً عميقاً، وأغمض عينيه، ونطق بها بملء جوارحه: "أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمداً رسول الله". شعر حينها بشيء غريب، كأن قيداً غير مرئي قد انكسر من حول صدره، وكأن ثقلاً جبالياً قد انزاح عن أنفاسه.

ضحك الشيخ ضحكة خفيفة، لكنها مليئة بالحكمة، وقال: "مبارك لك ميلادك الجديد يا بني.. لكن استمع إليّ جيداً؛ لا تظن أن الطريق سيكون مفروشاً بالورود من الآن. الإيمان يا آدم 'نبتة'.. تحتاج رياً ورعاية وشمساً ووقتاً. ما حدث لك اليوم هو أن البذرة شقت التربة فقط. الأسئلة ستبقى، والشك سيراودك، والشيطان لن يتركك.. المعركة بدأت الآن، ولم تنتهِ، ولكنك اليوم لم تعد تقاتل وحيداً.. أنت في كنف الله."

ثم قام الشيخ إلى مكتبته، وسحب مصحفاً صغيراً بغلاف أخضر مخملي، ومعه كتاب آخر صغير بعنوان "رحلتي من الشك إلى الإيمان" للدكتور مصطفى محمود. مدهما لآدم قائلاً: "أريدك أن تفتح المصحف الليلة وتقرأ هذا الكتاب.. أريدك فقط بعد أن تذهب إلى بيتك أن تبتعد عن مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد الانتهاء من القراءة تنام. نعم، نم فقط. دع روحك ترتاح من عناء الحرب التي خضتها لسنوات. وغداً.. نبدأ من جديد".

أخذ آدم الكتابين، وشعر بثقلهما اللذيذ في يده. "شكراً لك.." قالها بصدق لم يعهده في نفسه من قبل.

خرج آدم من الغرفة، ثم من المسجد. كانت العاصفة قد هدأت تماماً. توقف المطر، وانقشعت الغيوم قليلاً لتسمح للقمر بأن يطل بخجل. الشارع المبتل كان يعكس أضواء الأعمدة كمرآة سوداء مصقولة. مشى آدم في نفس الطريق الذي قطعه قبل ساعة. المباني هي نفسها، السيارات هي نفسها، لكن "آدم" الذي يمشي الآن ليس هو "آدم" الذي كان يمشي غاضباً. شعر بخفة غريبة في خطواته. ذلك "الثقل" الذي كان يجثم على صدره قد خف وزنه كثيراً.

وصل إلى بنايته، وصعد الدرج. وقف أمام باب شقته، تردد لحظة قبل أن يضع المفتاح في القفل. هو يعلم ما الذي ينتظره في الداخل. فتح الباب. الضوء الأزرق المنبعث من شاشة الحاسوب لا يزال يضيء الغرفة المظلمة. صندوق التعليقات مفتوح، والجدال الإلكتروني مستمر في غيابه. قرأ تعليقاً وصل للتو: "أين هربت يا آدم؟ هل أفحمتهم أم خفت؟".

نظر آدم إلى الشاشة ببرود. لم يشعر بالرغبة في الرد، ولا في السخرية، ولا حتى في الغضب. شعر فقط بـ "الشفقة" على هؤلاء القابعين خلف الشاشات، وعلي نفسه القديمة.

اقترب من المكتب، وضع المصحف والكتاب جانباً بعناية. مد يده إلى زر الطاقة في الشاشة. لم يغلق الصفحة، ولم يسجل الخروج.. بل ضغط الزر بقوة فأظلمت الشاشة تماماً. عم السكون الغرفة. سكون حقيقي هذه المرة.

خلع معطفه المبتل، وارتمى على سريره بملابسه، لكنه لم يطفئ النور كعادته ليهرب من أفكاره. تذكر وصية الشيخ عبد الله.

مد يده إلى الطاولة، وسحب ذلك الكتاب الذي أعطاه إياه الشيخ والمصحف الصغير. بدأ بالقراءة.. في البداية كانت الكلمات تمر على عقله، ثم بدأت تتسلل إلى أعماقه. ظل يقرأ ويقرأ ويقرأ؛ كانت الآيات تتدفق كأنها تخاطبه هو، كأنها كُتبت لتعالج جرحه تحديداً. لم يشعر بالوقت وهو يلتهم السطور، وشعر بشيء غريب يسري في جسده.. سكينة باردة غسلت كل التوتر والاحتراق الذي عاشه لسنوات.

لأول مرة منذ رحيل والده، لم يكن يفكر في "الموت" كحفرة مظلمة، أو في "العدم" كهاوية تبتلعه. وضع المصحف على صدره، وأغمض عينيه، وهمس بصوت خافتٍ متهدج، مجرباً طعم الكلمات الجديدة على لسانه، كلماتٍ لم يقلها منذ زمنٍ طويل:

"اللهم إني أشهد أنك تسمعني وتراني، وتعلم سري وعلانيتي.. عذراً يا رب على كل ليلة قضيتها بعيداً عنك. ها أنا ببابك فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين. خذ بيدي إليك، وأعني على نفسي، فإني قد تهتُ كثيراً.. وآن لي أن أستريح."

ساد الصمت الغرفة، ولم يمر وقت طويل حتى استسلم آدم لنومٍ عميق وهادئ، لم تشبهه أي غفوة من قبل؛ كان نوماً يشبه نوم الطفل الذي بكى طويلاً في حضن أمه حتى جفت دموعه واستكان.

وفي تلك الليلة، نام آدم نوماً عميقاً.. نوماً بلا كوابيس، كطفل عاد إلى حضن أمه بعد ضياع طويل.

8
الفصل 8

الفصل الثامن: صباحُ ترميم الروح

استيقظ آدم من نومه بعد ساعات ولم تكن أشعة الشمس هي مَن أيقظه هذه المرة، بل كان صوتاً خفياً، نداءً ينساب من مئذنة المسجد القريب ليشق سكون الفجر البارد.

فتح آدم عينيه ببطء، وللحظة، شعر بالارتباك المعتاد: أين أنا؟ وما هذا الهدوء الذي يلف المكان؟ تحسس صدره، فوجد المصحف الصغير لا يزال مستقراً هناك، كأنه كان يحرس أحلامه طوال الليل.

تدفقت ذكريات الليلة الماضية إلى عقله كشلال دافئ. لم يكن حلماً؛ ذلك البكاء المرير، طعم الشاي في غرفة الشيخ، والسكينة العجيبة التي تسللت لقلبه حتى غلبه النوم وهو يقرأ.

تحسس صدره بيده.. ذلك "الثقب الأسود" الذي كان يأكل روحه كل صباح، ويشعره بأن الحياة عبءٌ ثقيل.. لقد انكمش. لا تزال هناك ندبة، نعم، فالجروح العميقة لا تختفي في ليلة واحدة، لكن النزيف توقف.

قام من فراشه بخفة لم يعهدها، وتوجه إلى النافذة. كان العالم لا يزال غارقاً في لون أزرق باهت قبل شروق الشمس. استنشق هواء الفجر النقي، وشعر لأول مرة منذ سنوات أن هذا الهواء ليس مجرد "أكسجين"، بل هو "روح" تملأ رئتيه باليقين.

همس لنفسه وهو يتهيأ للوضوء: "لقد أدركتُ الصبح.. وأدركني النور".

توجه إلى الحمام، وفتح صنبور الماء. كان ملمس الماء البارد على جلده يبدو وكأنه يغسل خطايا السنين لا غبار ليلة واحدة. توضأ بعناية، متذكراً حركات الوضوء التي هجرها طويلاً، وكأن أعضاءه كانت تشتاق لهذا البلل الطاهر.

فرش سجادته في ركن الغرفة الذي كان يوماً ما مكاناً ليأسه. وقف، وكبر للإحرام. في الركعة الأولى، عندما قرأ "الحمد لله رب العالمين"، شعر بغصة في حلقه؛ لم تكن تلك الكلمات مجرد آيات، بل كانت اعترافاً بالجميل لربٍ لم يتركه رغم أنه أعرض عنه.

وعندما سجد.. هبط بكل ثقله، وبكل انكساره، وبكل كبريائه القديم على الأرض. هناك، وهو يضع جبهته على السجاد، شعر بأن هذا هو المكان الوحيد الذي يمكن للمرء أن يرفع فيه رأسه بكرامة. همس في سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، وكررها مراراً، كأنه يغرسها في قلبه لتطرد منها كل أصنام العقل الزائفة.

أنهى صلاته وسلم، وبقي جالساً على السجادة. لم يسرع بالنهوض. كان الفجر قد بدأ يتنفس، وبدأ الضوء يتسلل للغرفة ببطء. كان آدم يشعر بشيء لم يذقه من قبل: "الخفة". كأن الجاذبية لم تعد تؤثر فيه، وكأن روحه قد تحررت من قيد الطين.

نظر حوله إلى غرفته بعينين جديدتين، وكأنه يراها لأول مرة. رأى الفوضى التي كان يعيش وسطها؛ ملابس متناثرة، أعقاب سجائر، وأكوام من الكتب التي تمجد العدمية. شعر فجأة بضيق شديد من هذا المنظر. كيف كان يطيق العيش في هذا "المكب"؟ "المكان يشبه الروح.

شمّر عن ساعديه، وبدأ حملة تنظيف شعواء. جمع الملابس المتسخة، فتح النوافذ على مصراعيها ليطرد هواء الغرفة المكتوم ورائحة السجائر العتيقة. سمح للشمس والهواء البارد النقي باحتلال المكان. ثم جاء دور المكتبة. وقف أمام رف الكتب التي كان يفاخر بها. أمسك بكتاب عن الإلحاد قلبه بين يديه. كان هذا الكتاب "إنجيله" السابق. تذكر كم ليلة قضاها يحفظ اقتباساته ليحرج بها المؤمنين. الآن، بدت له الكلمات جوفاء، باردة، كمعادلة رياضية خالية من الروح تحاول تفسير لوحة فنية بديعة. لم يحرقها، ولم يمزقها. بل أحضر صندوقاً كرتونياً كبيراً، ووضعها فيه واحداً تلو الآخر. "انتهى دوركم.." همس وهو يغلق الصندوق بشريط لاصق. "لقد أجبتم عن (كيف) يعمل الكون، لكنكم فشلتم فشلاً ذريعاً في إخباري (لماذا) أنا هنا". دفع الصندوق تحت السرير، ووضع مكانه المصحف وكتاب الدكتور مصطفى محمود.

بعد أن انتهى من صلاته، خرج من غرفته متجهاً للمطبخ بخطىً هادئة، عكس خطواته الثقيلة المتمردة التي اعتادتها جدران البيت. كانت والدته تقف هناك، بظهرها الذي انحنى تحت ثقل السنين والخيبة، تعد الإفطار بصمتٍ حذر.

توقف آدم عند الباب يراقبها. تذكر تلك الليلة المشؤومة حين نهرها بقسوة لأنها أيقظته، بل وتذكر بمرارةٍ تحرق روحه تلك المرة التي دفعها فيها بيده لتصطدم بالجدار حين ألحت عليه بالدعاء.. كيف فعل ذلك؟ كيف كان "إلحاده" قناعاً للأنانية المفرطة، وكيف عمي قلبه عن رؤية ذبول هذه السيدة التي كانت تشتري صمته بخوفها، بينما تشتري له الهداية بدموعها في جوف الليل؟

سمعت الأم خطواته، فارتجفت كتفاها بتلك "النفضة" المعتادة، والتفتت بوجهٍ يكسوه ترقبٌ خائف، متوقعةً أن ينفجر فيها بسبب رائحة الطعام أو صوت الأواني. لكنها تسمرت مكانها، وسقطت الملعقة من يدها لتحدث رنيناً لم تسمعه.

كان آدم يقف أمامها، ليس ذلك "المسخ" الغاضب الذي هجر البيت وهو فيه، بل "آدم" ابنها الذي غاب عنها سنوات. كان وجهه مشرقاً بوضوء الفجر، وعيناه اللتان كانتا تشتعلان تمرداً، تفيضان الآن بانكسارٍ نبيل.

"صباح الخير يا أمي.." قالها بصوتٍ هادئ رخيم، غسلت نبرته غبار القطيعة.

اقترب منها، وبحركةٍ سريعة انحنى ليمسك يدها الخشنة التي أرهقتها خدمته رغم جفائه، فقبلها بحرارة ثم قال: "آسف.." همس بها والدموع تسبق كلماته. "آسف على كل طعنة أصابت قلبك مني.. آسف على كل لحظة خوف عشتِها في بيتك بسببي."

توقفت أنفاس الأم لثوانٍ، ثم انفجرت في نشيجٍ مكتوم وهي ترفع رأسه بيديها المرتعشتين، وتضمه إلى صدرها كما لو كان طفلاً عاد من غابةٍ موحشة. لم تسأله "لماذا؟" أو "كيف؟"، فقلب الأم لا يحتاج لبرهانٍ حين يشم رائحة السكينة في ولدها.

انفجر آدم بالبكاء. كانت دموعه تبلل كفيها، ونحيط صدره يرتجف بكلمة واحدة يكررها بمرارة: "سامحيني.. سامحيني يا أمي".

في تلك اللحظة، لم تتحمل الأم رؤية كبرياء ابنها الذي تحطم تحت قدمي توبته؛ فانحنت عليه بجسدها الضعيف، وضمت رأسه إلى صدرها بقوة، واختلطت دموعها بدموعه في مشهدٍ ساد فيه الصمت إلا من صوت نشيجهما المتبادل. كان بكاء الأم غسلاً لسنوات الخوف والقهر، وكان بكاء آدم إعلاناً بموت ذلك "التمرد" الزائف وولادة إنسانٍ يعرف حق البر.

ثم رفعت رأسه بيديها المرتعشتين، ومسحت دموعه بطرف شالها، وهي تبتسم من بين عبراتها وتقول: "والله يا بني، ما غضبتُ منك يوماً إلا خوفاً عليك، وما سجدتُ سجدةً إلا وكان اسمك أول ما ينطق به لساني.. ارفع رأسك، فقد رضي الله عنك برضاي عنك".

"فرضي الله عنك يا بني.. رضي الله عنك وأنار قلبك كما أنرت بيتي اليوم".

جلس آدم يتناول إفطاره معها لأول مرة منذ شهورٍ طوال. كان الطعام بسيطاً؛ جبن وخبز وزيتون، لكنه استطعم فيه لذةً افتقدها في أفخم المطاعم التي كان يرتادها مع رفاق الشك. كان يراقب فرحتها وهي تضع أمامه الطعام، وأدرك حينها أن أعظم "معجزة" وجدها في رحلته، هي تلك القدرة العجيبة لقلب الأم على الغفران بمجرد كلمة "آسف".

تناول آدم إفطاره معها لأول مرة منذ شهور، يستمع لحكاياتها البسيطة باهتمام حقيقي. ورغم بساطة الطعام، لكنه استطعم فيه لذة افتقدها طويلاً.

قامت الأم بوقار من لم تغلبها السنين رغم تعبها، واتجهت نحو "صندوق" خشبي قديم في زاوية الغرفة. أخرجت منه قطعة قماش ملفوفة بعناية فائقة، وعادت لتقدمها لآدم بيدين ترتعشان. "هذه سجادة أبيك يا بني.." قالتها والدموع تملأ عينيها. "لقد طويتها يوم وفاته وبقيت فيها رائحته، وخبأتها في صدري وفي هذا الصندوق، لأن قلبي كان يهمس لي دائماً أنك ستعود يوماً لتسجد عليها". احتضن آدم السجادة، واستنشق رائحتها.. كانت رائحة والده، رائحة الطمأنينة التي افتقدها منذ سنوات، فشعر بغصة في حلقه وهو يدرك كم كان صبر أمه عظيماً».

بعد هذا المشهد المؤثر عاد لغرفته ليواجه "الوحش" الأخير. فتح حاسوبه. دخل إلى حسابه على موقع التواصل الاجتماعي. آلاف المتابعين، مئات الرسائل المعلقة. كان بإمكانه أن يختفي ببساطة، يغلق الحساب ويهرب. لكن "آدم الجديد" قرر أن يكون شجاعاً. لا بد من إعلان الموقف، لا بد من "فصل الخطاب".

جلس أمام الشاشة، والضوء المنبعث منها ينعكس على وجهه الذي غادرته حدة الغضب التي سيطرت عليه لسنوات. أدرك الآن أن كل تلك السجالات الطويلة لم تكن بحثاً عن الحقيقة، بل كانت محاولة بائسة للهروب من وجعٍ لم يحتمل تفسيره. كان إلحاده "انفعالاً" طويلاً ومريراً، صرخة احتجاج ضد الألم، وليس نتيجة معادلة منطقية كما كان يدعي.

وضع أصابعه على لوحة المفاتيح، وكتب كلماتٍ لم تخرج من ذاكرته، بل من جرحه الذي بدأ يلتئم:

"كنت أظن أنني أحاكم الله بعقلي، فاكتشفت أنني كنت أحاكم نفسي بغضبي. لقد ألبستُ انفعالاتي ثوب المنطق، وسميتُ هروبي تحرراً. كنت أبحث عن الحقيقة بعيداً عن خالقها، فتهت في صحراء الكبرياء، واكتشفت أن أشد أنواع العبودية قسوة هي العبودية لـ (الأنا) وزينة الفكر الزائف."

توقف قليلاً، مسح دمعة خانته، ثم أكمل:

"الليلة الماضية، لم أجد إجابات لكل الأسئلة التي كانت تؤرقني، لكنني وجدت (السكينة) التي تجعل تلك الأسئلة أقل وحشة، وأدركت أن ليس كل ما لا يحيط به عقلي هو خرافة. لستُ واعظاً، ولا أدعي الصلاح، أنا مجرد إنسانٍ أرهقه الوقوف على حافة الهاوية، فقرر أن يمنح روحه فرصة أخرى للحياة في رحاب اليقين. أعتذر لكل من جرحته بكلمة طائشة، وأشفق على من لا يزال يظن أن الإلحاد ذكاء، بينما هو في الحقيقة مجرد 'يتمٍ روحي' لا عزاء فيه. سأغيب لفترة.. لأعيد بناء ما هدمته في سنوات الضياع. السلام عليكم."

ضغط على زر "نشر"، وشعر بشيء غريب.. كأنه ألقى عن كاهله حقيبة مليئة بالحجارة كان يحملها وهو يصعد جبلاً لا قمة له.

حاول الابتعاد عن حاسوبه.. لكن كان عليه أن يواجه ذلك العالم الذي صنع فيه مجده الزائف. فتح صفحته الشخصية، قرأ منشوراته القديمة بمرارة، وشعر بغربة شديدة تجاه ذلك الشخص الذي كان يكتبها. قضى وقتاً طويلاً وهو يحذف المقالات المسمومة، والتعليقات الساخرة، ويرد على رسائل المتابعين الذين كانوا ينتظرون منه "صيداً" جديداً من رحلته للمسجد.

نظر إلى الساعة، كانت تقترب من وقت الظهر. سمع صوت الأذان يرتفع من المسجد القريب. "حي على الصلاة.. حي على الفلاح".

قام آدم، توضأ ببطء مستشعراً برودة الماء وهي تغسل أطرافه وذنوبه، وفرش سجادة الصلاة التي أعطته إياها أمه والدموع تملأ عينيها. وقف باتجاه القبلة. رفع يديه مكبراً. "الله أكبر". كانت تكبيرةً أعلن فيها أن الله أكبر من شكه، أكبر من ذنبه، وأكبر من عقله. وحين سجد.. وضع جبهته على الأرض، وهمس بكلمة واحدة، كررها مراراً وكأنه يتذوقها: "عُدت.. عُدت يا رب.. فاقبلني".

9
الفصل 9

الفصل التاسع: مقهى الغرباء

لم يدم هدوء آدم طويلاً. في مساء ذلك اليوم، اهتز هاتفه معلناً عن مكالمة واردة. الاسم الذي ظهر على الشاشة جعل قلبه ينقبض: "ماجد". ماجد لم يكن مجرد صديق، كان "توأمه الفكري". شريكه في إدارة الصفحات الساخرة، ورفيقه في جلسات السخرية من "الغيبيات". تردد آدم. هل يرد؟ هل هو مستعد لهذه المواجهة الآن؟ تذكر كلمات الشيخ: "المعركة بدأت الآن". أخذ نفساً عميقاً، وضغط زر الإجابة. "ألو..". جاء صوت ماجد من الطرف الآخر، صاخباً وساخراً كعادته: "أهلاً بالعائد من الموت! رأيت منشورك الدرامي.

ما هذا يا رجل؟ هل أصابتك لوثة عقلية أم قررت أن تصبح درويشاً؟ نحن بانتظارك في 'مقهى وسط البلد'، لا تتأخر، لدينا الكثير لنضحك عليه الليلة".

أغلق آدم الخط. كان بإمكانه الرفض، لكنه شعر أن الهروب ليس حلاً. يجب أن يواجه ماضيه لكي يدفنه. ارتدى ملابسه، وخرج.

وصل إلى المقهى المعتاد في وسط المدينة. المكان الذي كان يعتبره سابقاً ملاذه الفكري. بمجرد أن دلف إلى الداخل، صفعته رائحة الدخان الكثيفة، وضجيج الأغاني الصاخبة، وقهقهات الزبائن العالية. شعر بالاختناق. كيف كان يقضي ساعات هنا؟ بدا المكان مظلماً وكئيباً مقارنة بالنور الذي ملأ قلبه صباحاً. رأى ماجد يجلس في الزاوية المعتادة، وحوله شلة من الأصدقاء، وأمامهم طاولة مكدسة بأكواب القهوة والسجائر.

عندما رآه ماجد، وقف مصفقاً بطريقة مسرحية: "وصل التائب! وسعوا للشيخ آدم!". ضحك الجميع. لم يبتسم آدم، بل سحب كرسياً وجلس بهدوء غريب أربكهم.

نظر إليه ماجد، ونفث دخان سيجارته في وجه آدم متعمداً وقال: "هيا احكِ لنا.. أي صدمة عاطفية تعرضت لها؟ هل رفضتك فتاة محجبة فقررت أن تتدين لأجلها؟ أم أنك خفت من قصص عذاب القبر؟ لا تقل لي أن عقلك الجبار، الذي فككنا به نظريات التطور والوجود، قد استسلم لخرافات البدو؟".

نظر آدم في عيني صديقه. رأى فيهما نفس النظرة التي كانت في عينيه هو قبل يومين: نظرة الاستعلاء التي تخفي خواءً مخيفاً. لم يشعر بالغضب، بل شعر بشفقة عميقة. قال آدم بصوت منخفض ولكنه ثابت: "لست مجنوناً يا ماجد، ولم أتعرض لغسيل دماغ. أنا فقط.. استيقظت".

انفجر ماجد ضاحكاً: "استيقظت؟ بل تخدّرت! الدين هو أفيون الشعوب يا صديقي، وأنت عدت لتدمنه لأنك لم تحتمل قسوة الواقع. أنت ضعيف يا آدم. هربت من حرية العقل إلى سجن النصوص".

قال أحد الجالسين متهكماً: "غداً سيطالبنا بإطلاق اللحى وتحريم الموسيقى".

تذكر آدم كيف كان هو نفسه يقول هذا الكلام، وكيف كان يضحك بنفس الطريقة. أدرك الآن مدى سطحية هذا "الغرور الفكري". قال آدم بهدوء: "كنت أظن مثلك أن الحرية هي التمرد على الله. لكنني اكتشفت أننا كنا عبيداً لشهواتنا، ولغرورنا، ولآراء الناس. ماجد.. أخبرني بصدق، هل أنت سعيد؟".

تلاشى ضحك ماجد فجأة. السؤال باغته. أشاح بوجهه وقال بعصبية: "لا تحول الموضوع لمحاضرة تنمية بشرية. السعادة ليست الهدف، الحقيقة هي الهدف. ونحن نملك الحقيقة العلمية".

رد آدم: "أي حقيقة تلك التي تنتهي بالتراب والعدم؟ أي حقيقة تجعل حياتنا بلا معنى ولا غاية؟ لقد جربت طريقك حتى نهايته يا ماجد.. ولم أجد فيه سوى البرد والوحدة. بالأمس فقط، ذقت طعماً للسكينة لم أذقه طوال سنوات إلحادي".

ضرب ماجد الطاولة بيده صائحاً، وقد بدت عروق رقبته نافرة من الغضب: "هذه كيمياء مخ يا آدم! مجرد تفاعلات عصبية نتيجة ضغط نفسي! لا تجعل مشاعرك العابرة تخدعك. تعال نناقش الأمر منطقياً كعادتنا.. أين دليلك المادي على وجود إلهك؟ هات برهانك الذي لا يقبل الشك!".

تأهب الجميع في المقهى للمعركة. كان الصمت قد ساد الطاولات المجاورة، فالكل يعرف أن آدم هو "فارس الجدال" الذي لا يُشق له غبار، وتوقعوا أن ينبري الآن ويسرد الأدلة الكونية والبراهين الفلسفية ويدخل في جدال بيزنطي يمتد للفجر. لكن آدم فعل شيئاً غير متوقع تماماً. ابتسم بهدوء غريب، وهز رأسه نفياً وهو ينظر في عيني ماجد.

"لن أجادلك يا ماجد.. ولن أعطيك براهين مادية".

ذهل ماجد واتسعت عيناه بسخرية: "ماذا؟ هل هربت الحجج؟ هل أعلن العقل استسلامه أمام العاطفة بهذه السرعة؟".

رد آدم بنبرة هادئة ولكنها حادة كالنصل: "لا يا ماجد، الحجج لم تهرب، بل أنا من هربتُ من سجني. دعنا نكون صادقين مع أنفسنا لمرة واحدة بعيداً عن ضجيج المتابعين. كم مرة ناقشنا المسلمين؟ وكم مرة أفحمونا بإجابات منطقية فطرية ولم نرجع؟ وكم مرة قرأنا في إعجاز هذا الكون وشعرنا بداخلنا بصرخة الحقيقة، لكننا قمعناها؟"

خيم صمتٌ ثقيل على الطاولة، تابع آدم وهو يميل بجسده للأمام: "نحن جميعاً نعرف في أعماقنا، خلف ركام هذه الكتب والنظريات، أن الله موجود. نحن نشعر به في كل نبضة، وفي كل زفرة وجع، وفي ذلك الخوف الذي يهاجمنا في ظلام الليل. لكن الكبر يا صديقي.. الكبر هو الذي يمنعنا من الاعتراف. نحن نتشبث بالإلحاد لنستمر في وهمنا، لنشعر بأننا (آلهة) أنفسنا، ولنهرب من مسؤولية الوقوف بين يدي خالقنا. لقد كان إلحادنا (قراراً نفسياً) اتخذناه لنرضي كبرياءنا، ولم يكن يوماً نتيجة بحثٍ علمي صادق".

شحب وجه ماجد، وحاول أن يقاطعه، لكن آدم أكمل بابتسامة واثقة: "أنا اليوم لا أملك لك برهاناً أضعه على الطاولة، لكني أملك (قلباً) كان ميتاً فحيي. هل تستطيع كيمياء مخك أن تفسر لي معنى السكينة التي أشعر بها الآن وأنا أخسر (جمهوري) وأكسب نفسي؟"

ساد صمتٌ ثقيل على الطاولة، وبدا الوجوم على وجوه أصدقائه؛ فكلام آدم لم يضرب عقولهم، بل ضرب ضمائرهم في مقتل. نظر آدم في عيونهم واحداً تلو الآخر، رأى فيها ذلك التيه الذي كان يعيشه بالأمس، وأدرك أن أي كلمة إضافية ستتحول إلى مجرد وقود لجدالٍ عقيم لا يهدف للحق، بل يهدف لترميم كبريائهم الجريح.

وقف آدم بهدوء، ووضع يده في جيبه ليخرج ثمن قهوته التي لم يشربها، ووضعها على الطاولة، ثم قال بنبرةٍ ودودة لكنها حاسمة:

"لم تهرب الحجج يا ماجد، لكنني أدركت أن الجدال الذي يبحث عن الانتصار للنفس لا يورث إلا القسوة، وأن العقل الذي يمتلئ بالغرور لا يرى النور ولو كان في رابعة النهار. الله لا يُدرك بالجدال فقط، بل يُدرك بالقلب الذي يتجرد من الكبر ويطلب الهداية بصدق. لقد ضيعتُ سنواتٍ طويلة في الكلام والضجيج.. أما الآن، فقد انتهى وقت الكلام، وأريد أن أبدأ العمل. أريد أن أعيش حقاً، لا أن أظل مجرد فكرةٍ غاضبة في رأسٍ متعب".

ألقى عليهم نظرة أخيرة، نظرةً تفيض بالشفقة لا بالاستعلاء، ثم استدار ومشى نحو الباب بخطواتٍ واثقة، تاركاً خلفه دخان السجائر، وضجيج الأفكار الميتة، وحياةً كاملة من الوهم لم يعد ينتمي إليها.

تعالت صيحات ماجد المستفزة: "اهرب! اهرب يا جبان! ستعود.. أراهنك أنك ستعود زاحفاً إلينا عندما تفيق من سكرتك!".

لم يلتفت آدم. خرج إلى الشارع. استقبله هواء الليل النقي، فملأ صدره به، طارداً بقايا دخان المقهى. كان يشعر بانتصار عظيم. ليس لأنه أفحمهم بالحجة، بل لأنه انتصر على "رغبته في إفحامهم". لقد كسر صنم "الأنا" الذي كان يعبده. أدرك في تلك اللحظة أن طريقهما قد افترقا للأبد. هو يمشي نحو النور، وهم لا يزالون يدورون في حلقة مفرغة. مشى وحيداً في الشارع، لكنه لم يكن يشعر بالوحدة أبداً.

10
الفصل 10

الفصل العاشر: تحت المطرقة

مرت أسابيع قليلة عاش فيها آدم في "هدنة" جميلة مع الحياة. كان يستيقظ للفجر، يقرأ ورده، ويذهب لعمله الجديد في مكتبة صغيرة، ثم يعود ليقضي المساء في خدمة والدته. كان يظن أن التوبة تعني أن الحياة ستصبح وردية، وأن المشاكل ستختفي، وأن السماء ستمطر عليه حلولاً سحرية مكافأةً له على عودته.

لكنَّ الأقدارَ تجري بما لا تُحيط به أمانينا، فالدنيا مجبولةٌ على كدَر.

في مساء يوم الثلاثاء، عاد آدم من عمله حاملاً بيده كيساً من الفاكهة التي تحبها والدته. فتح الباب منادياً بابتسامته المعتادة: "يا ست الكل.. جئت لكِ بالـ...". لم يكمل جملته. سقط الكيس من يده، وتدحرج التفاح على الأرض في مشهد عبثي. وجد والدته ملقاة في ممر الشقة الضيق، وجهها شاحب كالجدار، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة بالغة، ويدها تضغط على قلبها بألم.

"أمي!". صرخ آدم، وقفز نحوها. كان جسدها بارداً، وعيناها زائغتين. "آدم.. صدري.. نار.." همست بصوت مخنوق قبل أن تغيب عن الوعي.

عاد الكابوس. عادت سيارة الإسعاف، وعادت الصفارات المرعبة تشق سكون الليل، وعادت الأضواء الحمراء الدوارة التي تصبغ الجدران بلون الدم. جلس آدم بجوار المسعفين، يمسك يد أمه الباردة. في تلك اللحظات، بدأ "الشيطان" يهمس في أذنه بصوت سمعه بوضوح وكأنه يجلس بجانبه: "ألم تعد إليه؟ ألم تصلِ وتصم وتتب؟ انظر كيف يكافئك! ها هو يأخذ منك البقية الباقية. إنه يعذبك. لو كان يحبك لشفى أمك إكراماً لتوبتك. لا فائدة.. أنت منحوس".

أغمض آدم عينيه بقوة، وهز رأسه ليطرد الصوت. "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. يا رب ثبتني".

وصلوا للمستشفى. نفس الرائحة.. "المعقمات". نفس البرودة في الممرات. نفس وجوه الممرضات المتجهمة. كأن الزمن يعيد نفسه ليعيد آدم إلى نقطة الصفر. أدخلوها العناية المركزة. ووقف آدم أمام نفس الباب الذي وقف أمامه يوم وفاة والده.

خرج الطبيب بعد ساعة بدت كالدهر. كان شاباً، ملامحه جادة. اندفع آدم نحوه: "طمئني يا دكتور؟". قال الطبيب بأسف: "جلطة حادة في الشريان التاجي. الوضع حرج جداً.. الـ 24 ساعة القادمة حاسمة. ادعُ لها".

"ادعُ لها". الجملة التي فجرت إلحاده سابقاً. تراجع آدم للخلف، واستند بظهره إلى الجدار البارد، ثم انزلق حتى جلس على الأرض. وضع رأسه بين ركبتيه. كان الاختبار قاسياً، ومفصلاً على مقاس جرحه القديم تماماً.

شعر بغضبٍ قديم يحاول التمرد في صدره. "لماذا الآن يا رب؟ لقد بدأتُ للتو أتذوق طعم القرب منك.. لا تكسرني مرة أخرى". لكنه تذكر كلام الشيخ عبد الله في جلستهما الخاصة: "الله لا يبتليك ليعذبك، بل ليهذبك. الذهب لا يلمع إلا إذا دخل النار.. والمؤمن لا يشتد عوده إلا إذا وضع تحت مطرقة البلاء. الفرق بين المؤمن والكافر ليس في (وقوع) المصيبة، بل في (استقبالها). الجاحد يقول: لماذا أنا؟ والمؤمن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون".

رفع آدم رأسه. كانت عيناه دامعتين، لكنهما لم تكونا يائستين. قام من مكانه، وتوجه ليس إلى الطبيب، ولا إلى الاعتراض.. بل توجه إلى "المصلى" الصغير في ركن المستشفى.

كان المصلى فارغاً. فرش آدم سجادة، ووقف بين يدي الله. لم يقل "يا رب اشفها وإلا سأكفر". لم يضع شروطاً على ربه هذه المرة. سجد، واختلطت دموعه بكلماته: "يا رب.. أنت تعلم أني أحبها، وهي كل ما تبقى لي في هذه الدنيا.. اللهم اشفها وعافها.. ولكن..". سكت قليلاً، يغالب نشيجه، ثم أكمل بصدق زلزل كيانه: "ولكن.. إن كنتَ قضيتَ بأخذ أمانتك، فإني راضٍ. لن أكفر بك، ولن أترك بابك. أنت ربي إن أعطيت، وأنت ربي إن أخذت. قلبي يحترق ألماً، لكنه ممتلئ يقيناً بحكمتك. لا تفتني في ديني يا الله.. لا تفتني".

ظل ساجداً وقتاً طويلاً، يفرغ كل مخاوفه وشكوكه على سجادة الصلاة، ويستبدلها بالسكينة. عندما رفع رأسه وسلم، شعر ببرودة عجيبة في صدره. النار التي كانت تشتعل خوفاً قد خمدت. لقد فوض الأمر لصاحب الأمر.

خرج من المصلى، وعاد للجلوس أمام غرفة العناية. أخرج مصحفه الصغير، وبدأ يقرأ سورة "يوسف". قرأ عن يعقوب الذي فقد ابنه سنين طويلة ولم يفقد الأمل، وقال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}. فهم الآن معنى "الصبر الجميل". هو الصبر بلا شكوى للخلق، وبلا سخط على الخالق.

مر الليل بطيئاً وثقيلاً. رأى مرضى يموتون، وسمع صرخات أهاليهم. رأى الحياة عارية بلا رتوش. ومع بزوغ الفجر، انفتح باب العناية المركزة. خرج الطبيب، وعلى وجهه ابتسامة مرهقة. وقف آدم، وقد جهز نفسه لكل الاحتمالات. قال الطبيب: "سبحان الله.. استجابت للعلاج بشكل مذهل في الساعات الأخيرة. الخطر زال، استعادت وعيها وتسأل عنك".

لم يصرخ آدم فرحاً، لم يقفز. بل أغمض عينيه، وابتسامة هادئة، عميقة، ارتسمت على شفتيه، وسالت دمعة واحدة على خده. همس بصوت لم يسمعه إلا الله: "الحمد لله.. في السراء والضراء.. الحمد لله".

دخل ليرى أمه. كانت الأجهزة لا تزال تحيط بها، لكنها نظرت إليه وابتسمت بوهن. أمسك يدها وقبلها. في تلك اللحظة، أدرك آدم أنه نجح في الاختبار. لقد مات "آدم القديم" تماماً تحت مطرقة الخوف الليلة، وولد "آدم المؤمن" الذي لا تهزه رياح الشك، لأنه يتمسك بيقين من عرف الله مقدر الأقدار.

11
الفصل 11

الفصل الحادي عشر: القنديل والطريق

بعد مرور أسبوعين على خروج والدته من المستشفى، ذهب آدم لزيارة الشيخ "عبد الله" في بيته. لم تكن زيارة عابرة، بل كان يشعر بحاجة ماسة لطرح سؤال يؤرقه.

كان بيت الشيخ بسيطاً يشبه صاحبه. أثاث قديم لكنه نظيف، وجدران تتزين بلوحات خط عربي لآيات قرآنية، ورائحة بخور هادئة تملأ المكان. جلس آدم أمام الشيخ، وبدا متردداً قبل أن يبوح بما في صدره: "يا شيخ.. أنا خائف".

نظر إليه الشيخ باهتمام: "ومم تخاف يا آدم؟ وقد نجاك الله من تيه الشك ومن فجيعة الفقد؟".

قال آدم بصدق: "أخاف أن تفتر همتي. أخاف أن أكون مثل شعلة القش، تضيء بقوة لحظة الاحتراق ثم تنطفي وتتحول لرماد. أنا الآن أشعر بحلاوة الإيمان لأنني ممرت بأزمات قوية، لكن ماذا لو استقرت حياتي؟ ماذا لو عدت للروتين الممل؟ هل سيعود قلبي للقسوة؟ هل ستهاجمني الشكوك مرة أخرى؟".

ابتسم الشيخ، وصب له كوباً من النعناع الدافئ، وقال بهدوء: "يا بني، هذا الخوف هو 'صمام الأمان'. من لا يخاف النفاق فهو منافق. لكن اعلم أن الإيمان ليس خطاً مستقيماً صاعداً للأبد.. الإيمان يزيد وينقص، كالمد والجزر. المهم ألا يجف البحر".

اعتدل الشيخ في جلسته وأكمل بجدية: "لكي تحمي نفسك من الانتكاسة، تحتاج لثلاثة أمور: وردٌ يومي لا تتركه مهما كنت مشغولاً ولو كان قليلاً، وصحبة صالحة تشد عضدك إذا وهنت، وهدف.. نعم هدف تعيش لأجله".

سأل آدم باستغراب: "هدف؟ أليس هدفي هو العبادة؟".

قال الشيخ: "العبادة هي الوقود، والهدف هو الطريق. الله أعطاك عقلاً ذكياً، ولساناً مفوهاً، وقلماً سيالاً.. هل تظن أنه أعطاك هذه المواهب عبثاً؟ في الماضي سخرتها للهدم، والآن جاء دورك لتسخرها للبناء. الدين ليس أن تنزوي في زاوية المسجد وتبكي فقط.. الدين أن تكون فعالاً في الأرض".

قام الشيخ إلى مكتبته، وأخرج دفتراً سميكاً، جلده فاخر، وقلم حبر أنيقاً، ووضعهما بين يدي آدم. "خذ هذه".

نظر آدم للدفتر بدهشة: "ما هذا؟".

قال الشيخ وعيناه تلمعان ببريق التحدي المحبب: "أريدك أن تكتب. اكتب قصتك. اكتب عن 'ليلة اليقين'. اكتب عن الشبهات التي كانت تعصف بك وكيف وجد قلبك الإجابة عليها. هناك آلاف الشباب التائهين مثلك، لا يحتاجون لفتوى فقهية بقدر ما يحتاجون ليدٍ حانية تفهم ألمهم وتدلهم على الطريق. أنت تعرف لغتهم، وتعرف وجعهم.. فكن أنت طبيبهم".

تحسس آدم غلاف الدفتر. شعر برعشة تسري في أصابعه. الكتابة؟ لطالما كانت الكتابة سلاحه لقتل الحقيقة، فهل يمكن أن تصبح سلاحه لإحيائها؟ تذكر جداله مع "ماجد"، وتذكر آلاف التعليقات الحائرة على الإنترنت. نعم.. هو يملك الخريطة لأنه سار في حقل الألغام وخرج منه حياً.

رفع رأسه للشيخ وقال بصوت يملؤه العزم: "هل تظن أنني أستطيع؟".

ربت الشيخ على يده وقال: "الذي أخرجك من الظلمات إلى النور، قادر على أن يجعل من كلماتك نوراً للآخرين. توكل على الله.. واجعل مدادك الصدق، وستصل كلماتك للقلوب بلا استئذان".

خرج آدم من بيت الشيخ تلك الليلة وهو يحمل الدفتر وكأنه يحمل كنزاً. نظر إلى السماء، لم تكن عاصفة هذه المرة، بل كانت صافية تتلألأ فيها النجوم. شعر أنه لم يعد مجرد "تائب" يبحث عن النجاة لنفسه، بل صار "جندياً" يحمل رسالة. الطريق طويل، وموحش أحياناً.. لكنه الآن يملك القنديل.

الفارس الجريح

الفصل الثاني: الفارس الجريح

مرت ستة أشهر على تلك الليلة في المقهى. ستة أشهر لم يسمع فيها آدم صوت صديقه ماجد، ولم يرَ وجهه. كان يدعو له في سجوده كل ليلة، يسأل الله أن يهديه كما هداه، وأن يُذيقه حلاوة اليقين التي أنقذته من الغرق.

في ليلة ماطرة تشبه تلك الليلة الأولى، رنّ هاتف آدم. نظر إلى الشاشة.. "ماجد". ارتجف قلبه. هل جاء ليسخر مجدداً؟ هل جاء ليثبت أنه كان على حق؟ تردد لحظة، ثم أجاب.

"آدم..". كان صوت ماجد مختلفاً تماماً. لا سخرية، لا استعلاء. كان صوتاً مكسوراً، يشبه صوت طفلٍ تاه في الظلام. "أحتاج أن أراك.. الآن. أرجوك".

شعر آدم بقشعريرة غريبة. هذا ليس ماجد الذي يعرفه. قال بهدوء: "أين أنت؟".

"في الحديقة.. قرب بيتك القديم. تعال وحدك".

وجده جالساً على مقعد خشبي تحت شجرة عتيقة، وجهه يغرق في راحتيه. المطر الخفيف يبلل شعره الأشعث، لكنه لا يبالي. اقترب آدم ببطء وجلس بجواره بصمت. لم يقل شيئاً. انتظر.

مرت دقائق طويلة، ثم رفع ماجد رأسه. كانت عيناه حمراوين منتفختين، ووجهه شاحباً كالموتى. نظر لآدم نظرة لم يرها فيه من قبل.. نظرة الغريق الذي يستجدي طوق نجاة.

"ماتت أمي يا آدم..". خرجت الكلمات مختنقة بالدموع. "ماتت وهي تدعو لي بالهداية. ماتت وأنا أسخر منها كلما رأيتها تصلي. آخر كلمة قالتها كانت: 'يا رب اهدِ ولدي'.. ثم أغمضت عينيها".

انهار ماجد في نشيج عنيف هزّ جسده كله. كأن كل تلك السنوات من الكبرياء والسخرية قد تحطمت دفعة واحدة على صخرة الموت. واصل بصوت مرتجف: "جلست بجوار جثتها ساعات.. ولم أستطع أن أقول شيئاً. لم أستطع أن أدعو لها لأنني لا أؤمن بمن أدعوه! شعرت بالجنون يا آدم. أمي ذهبت إلى العدم، وأنا سأذهب إلى العدم، وكل شيء عبث!".

صمت آدم وهو يتأمل وجه صديقه المنهار. تذكر نفسه قبل سنوات، جالساً على حافة نفس الهاوية. قال ماجد وهو يمسح وجهه بيده المرتعشة: "أسوأ ما في الأمر أنني حاولت أن أقنع نفسي أنها مجرد كتلة لحم وعظام تحللت، وأن مشاعري مجرد تفاعلات كيميائية ستزول.. لكنني لم أستطع! قلبي يرفض هذا الكلام! أمي ليست مجرد 'مادة'.. أمي كانت روحاً، وحباً، ودعوات لم أستحقها!".

التفت لآدم فجأة، وأمسك بياقة معطفه بقوة يائسة: "أخبرني يا آدم.. أخبرني أنها في مكانٍ ما الآن! أخبرني أن دعواتها لم تذهب هباءً! أخبرني أن هناك عدلاً في هذا الكون! أخبرني أنني سألقاها مرة أخرى!".

ابتسم آدم ابتسامة ممزوجة بالدموع. تذكر ليلته في المسجد، وتذكر كلمات الشيخ عبد الله. قال بصوت رخيم هادئ: "نعم يا ماجد.. أمك الآن في رحمة الله. ولم يضع من دعائها شيء، فها أنت أمامي الآن، وقلبك ينفطر بحثاً عنه.. هذه هي استجابة دعائها".

اتسعت عينا ماجد، وكأنه فهم شيئاً للمرة الأولى. واصل آدم: "أتعرف ما الذي أوصلك إلى هنا الليلة؟ ليست الفلسفة، ولا البراهين المادية، ولا نظريات التطور. بل قلب أم أحبتك، ودعوة صادقة خرقت السماوات. الله لم يتركك يا ماجد..

ساد صمت طويل. كانت قطرات المطر تنهمر على وجهيهما، لكن أياً منهما لم يتحرك. ثم قال ماجد بصوتٍ أشبه بالهمس: "أريد أن أشهد أن لا إله إلا الله يا آدم.. أريد أن أصلي على أمي قبل فوات الأوان. أريد.. أريد أن أستحق دعواتها".

احتضنه آدم بقوة. بكيا معاً تحت المطر. ثم قال آدم وهو يربت على ظهره: "قلها يا ماجد.. قلها الآن".

أغمض ماجد عينيه، ورفع وجهه للسماء، ونطقها بكل ما فيه من شوقٍ وندمٍ وحنين: "أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمداً رسول الله".

في تلك اللحظة، اشتد المطر فجأة، كأن السماء تبكي فرحاً بعودة غريب طال غيابه. قال آدم وهو يبتسم عبر دموعه: "مبارك يا ماجد.. الآن هيا بنا، لدينا صلاة جنازة ننتظرها، ودعوات كثيرة يجب أن ترسلها لأمك".

قاما من المقعد ومشيا معاً في الليل الماطر. كانت خطوات ماجد ثقيلة من وطأة ما حدث، لكنها كانت خطوات من يسير نحو النور أخيراً. التفت لآدم وسأل بصوت متهدج: "هل تظن أنها سامحتني؟ هل تظن أنها ترى ما يحدث الآن؟".

قال آدم وهو يضع يده على كتفه: "إن لم تكن قد سامحتك وهي حية، فقد دعت لك. وإن كانت ترى ما يحدث الآن، فأنا متأكد أنها أسعد أهل البرزخ الليلة. لقد استُجيب دعاؤها يا ماجد، وهذا أعظم هدية يمكن أن تقدمها لها".

12
الفصل 12

الفصل الثاني عشر: السطر الأخير

مرت الفصول سراعاً، وتبدل حال الطقس من زمهرير الشتاء القارس الذي شهد تلك الليلة، إلى ربيعٍ دافئ يكسو المدينة بالألوان. وكما تبدلت الأرض، تبدلت روح آدم.

غرفته التي كانت يوماً ما كهفاً مظلماً للأفكار السوداوية، قد أصبحت الآن واحة للنور. رفوف المكتبة امتلأت بكتب التفسير والسيرة، وبجوارها كتب الفيزياء والفلسفة، لكنه لم يعد يقرأها بعين "المتصيد" للأخطاء، بل بعين "المتدبر" في عظمة الصنع.

وفي يوم من الأيام جلس آدم على مكتبه الخشبي، وأمامه ذلك الدفتر السميك الذي أهداه إياه الشيخ عبد الله. كانت صفحاته قد امتلأت عن آخرها. عامٌ كامل من الكتابة.. عامٌ كامل من تفريغ السموم القديمة، واستنبات اليقين الجديد.

أمسك بقلمه، وتوقفت يده في الهواء قليلاً. إنه السطر الأخير. كيف ينهي حكاية بدأت بالكفر وانتهت بالتسليم؟ كيف يختصر رحلة الألم والدموع والوحشة والأنس في كلمات قليلة؟

تصفح آدم الدفتر سريعاً. قرأ في الصفحات الأولى غضبه، وسخريته، وشعوره بالعبثية. ثم قرأ في المنتصف عن "ليلة المسجد"، وعن دموع الانكسار، وعن خوفه يوم مرضت أمه. وقرأ في الصفحات الأخيرة عن الطمأنينة، وعن لذة مناجاة الله في الثلث الأخير من الليل.

أدرك آدم شيئاً مهماً: هو لم يكن يكتب رواية من وحي الخيال، بل كان يكتب "شهادة ميلاده" الحقيقية.

عاد للصفحة الأخيرة، وكتب بقلبٍ يفيض امتناناً: "يا صديقي القارئ.. لستُ نبياً، ولستُ ملاكاً معصوماً. ما زلت أتعثر، وما زلت أخطئ، لكن الفرق أنني لم أعد تائهاً في الظلام. صرت أعرف الطريق إلى الباب إذا اتسخت ثيابي بالدنيا. لقد كنت أظن أنني أبحث عن إجابات لأسئلتي العقلية، لكنني اكتشفت أنني كنت أبحث عن 'من يسمع' أنين روحي. لم يكن الدين يوماً كبتاً للحرية، بل كان تحريراً للروح من عبودية المادة. في تلك الليلة، دخلت المسجد لأهزم شيخاً، فخرجت وقد هزمت كبريائي. دخلت لأثبت أن رواية الكون ناقصة وعبثية، فخرجت لأبدأ كتابة فصلي الجديد في رواية اليقين.

وضع النقطة الأخيرة. ثم أغلق الدفتر برفق، ومرر يده على غلافه، وكتب العنوان بخط عريض وواضح: "ليلة اليقين".

تنفس الصعداء. شعر بحمل ثقيل ينزاح عن كاهله، وحل محله شعور خفيف ومبهج.. شعور "الإنجاز". لقد وفى بوعده للشيخ، ووفى بحق نفسه.

ختام

النهاية: بداية الرحلة

النهاية

بداية الرحلة

في تلك اللحظة، ارتفع صوت الأذان من مئذنة المسجد القريب، يتهادى عذباً وندياً في سكون المساء: "الله أكبر.. الله أكبر".

ابتسم آدم. تذكر كيف كان هذا الصوت يزعجه في الفصل الأول من حياته، وكيف كان يغلق النوافذ هرباً منه. أما اليوم، فقد صار هذا الصوت هو "الموعد" الذي ينتظره الحبيب ليلقى حبيبه. إنه نداء العودة إلى الوطن الحقيقي للروح.

قام من مكانه، وارتدى معطفه، وتعطر بالمسك الذي أصبح يحبه. خرج من غرفته، والقى نظرة أخيرة على الدفتر المستقر فوق المكتب. لقد انتهى دوره ككاتب الآن، وجاء دوره كعابد.

نزل إلى الشارع. كان الهواء عليلاً، والناس يسيرون باتجاه المسجد في سكينة. رأى الشيخ "عبد الله" يدخل من بوابة المسجد، بظهره المنحني قليلاً ووجهه المنير. أسرع آدم الخطى حتى لحق به. التفت الشيخ ورآه، فتهلل وجهه بالبشر، ومد يده ليمسك بيد آدم ويشد عليها بحرارة الأب. "أنهيتها يا آدم؟" سأل الشيخ وكأنه يقرأ وجهه. أومأ آدم برأسه مبتسماً: "أنهيتها يا شيخنا.. وبدأت".

دخلا المسجد معاً، كتفاً بكتف. تلاشت الفوارق، وتلاشت الشكوك. لم يعد هناك "آدم الملحد" و"الشيخ المتزمت"، بل هناك عبدان لله، يجمعهم صف واحد، وقبلة واحدة، ورب واحد.

وقف آدم في الصف، واستوى قائماً. نظر إلى موضع سجوده، واستشعر عظمة الوقوف بين يدي الملك. رفع يديه للتكبير، وفي تلك اللحظة، شعر أن كل ذرة في هذا الكون تسبح معه، وأن كل سؤال كان يؤرقه قد ذاب في بحر اليقين الواسع.

همس في سرّه بالكلمة التي بدأت بها القصة، والتي انتهت بها: "آمنت بالله".

وهكذا.. أسدل الستار على ليلة الشك الطويلة، وبدأت رحلة آدم الحقيقية.. ليس نحو القبر والعدم، بل نحو الحياة.. والحياة الطيبة التي لا تموت.

تم بحمد الله